والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين، وقد قيل في معناها: التعصب المحاماة والمدافعة، وتعصبوا عليهم إذا تجمعوا، فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل تعصبوا، وتعصبنا له ومعه نصرناه، وعصبة الرجل قومه الذين يتعصبون له، فالقتال تحت الراية العمية المقصود به القتال للعصبة ونصر العصبة بالحق أو الباطل كما يفعله أهل الجاهلية، حتى ولو كانت أسماء هذه الطوائف والجماعات شرعية كاسم المهاجرين والأنصار وأهل الحديث وغير ذلك فالتعصب لها والانتماء إليها والتنادي باسمها والقتال من أجلها دون النظر إلى ما شرعه الله تعالى وأمر به ونهي عنه وسواء كانوا على الحق أو الباطل هو من دعوى الجاهلية الممقوتة، ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر بعض الأحاديث في العصبية: وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجرى: ياللمهاجرين، وقال الانصارى: ياللأنصار قال النبى صلى الله عليه وسلم (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) وغضب لذلك غضبا شديدا. اهـ [1]
أما محبة الرجل قومه ما لم تحمله على ظلم غيرهم أو الطعن فيهم أو التعصب الممقوت لهم فهي جائزة لا حرج فيها، قال الشافعي رحمه الله: ولو خص امرؤ قومه بالمحبة ما لم يحمل على غيرهم ما ليس يحل له فهذه صلة ليست بعصبية، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عمرو بن العاص: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال صلى الله عليه وسلم (عائشة) قلت: من الرجال؟ قال (أبوها) قلت: ثم من؟ قال (ثم عمر) فعد رجالا [2] ، وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه وهو يقول (اللهم أني أحبه فأحبه) [3] ، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن بن علي فيقول (اللهم أني أحبهما فأحبهما) [4] ، قال الشافعي رحمه الله: فالمكروه في محبة الرجل من هو منه أن يحمل على غيره ما حرم الله عليه من البغي والطعن في النسب والعصبية والبغضة على النسب لا على معصية الله ولا على جناية من المبغض على المبغض ولكن يقول أبغضه لأنه من بني فلان فهذه العصبية المحضة. [5]
الصفة الثالثة من صفات جماعة الحق التي يجب التزامها: اعتماد الطريقة الشرعية في تغيير الأنظمة الجاهلية والأوضاع المخالفة للإسلام، وهذه الطريقة منصوص عليها في القرآن والسنة وهي قتال الكفار والمشركين والمرتدين حتى يكون الدين كله لله قال تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم
(1) راجع دقائق التفسير ج2/ 45.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي.
(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبزار والطبراني وابن أبي شيبة.
(4) أخرجه البخاري وأحمد والترمذي وابن حبان والبيهقي والبزار وابن أبي شيبة.
(5) راجع سنن البيهقي الكبرى ج10/ 233.