الصفحة 15 من 87

كلمتهم عليها، والعداوة التي كانت بينهم التي قال الله عز وجل (إذ كنتم أعداء) فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، والتي قال عنها العلماء بأيام العرب أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، كما قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم، ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فذَكَّرَهم جل ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا وخوف بعضهم من بعض وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع وأمن بعضهم من بعض ومصير بعضهم لبعض إخوانا.

وقوله تعالى (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) يعني اليهود والنصارى وهو قول جابر بن عبد الله وجمهور المفسرين، وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة، وقال أبو أمامة رضي الله عنه: هم الحرورية.

وقد أخبر رسولنا صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق أن أهل الكتابَين من قبلنا قد افترقوا فرقا كثيرة وأن هذه الأمة ستفترق كذلك، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن كل هذه الفرق على الضلال والباطل وأنها في النار إلا واحدة هم أهل السنة والجماعة، الذين جعلوا قرآن ربهم إمامهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم قدوتهم وأسوتهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تفرقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) [1] ، وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار) ، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال صلى الله عليه وسلم (الجماعة) [2] ، وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أهل الكتابين

(1) رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي وأبو يعلى والطبراني في الكبير وابن أبي عاصم في السنة وسنده جيد.

(2) رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا عن عوف بن مالك رضي الله عنه بسند حسن، وفي رواية عمرو بن العاص رضي الله عنه عند الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الأفريقى عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى وقال أبن عبد البر: وعبد الله الأفريقى ثقة وثقه قوم وأثنوا عليه وضعفه آخرون، وقال أحمد بن ابي بكر بن إسماعيل الكناني: هذا إسناد فيه مقال راشد بن سعد قال فيه أبو حاتم صدوق، وعباد بن يوسف لم يخرج له أحد سوى ابن ماجة وليس له عنده سوى هذا الحديث، قال ابن عدي: روى أحاديث تفرد بها وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه أبو داود في سننه وابن ماجة والحاكم والترمذي في الجامع وقال: حسن صحيح. والحديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجة وأبو يعلى الموصلي من حديث أنس رضي الله عنه أيضا مرفوعا قال عنه الكناني: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (راجع مصباح الزجاجة للكناني ج4/ 180) قال العجلوني: وفي الباب عن معاوية وأبي الدرداء وابن عمرو وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ووائلة وأبي أمامة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت