زوال الخوف والنجاة من الجزع والذعر، منه قول الله عز وجل (إلا بحبل من الله وحبل من الناس) [1] ، وحبل الله تعالى هو قرآنه الكريم وكتابه المبين والذي أمر الله تعالى فيه بالاعتصام بجماعة المسلمين، ولذلك فقد ورد عن سلفنا تفسير حبل الله بالأمرين: بكتاب الله تعالى وبالجماعة، فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال: الجماعة، وعن قتادة في قوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال: حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به هذا القرآن، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلم هذا الطريق ليصدوا عن سبيل الله فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله، وورد مثل هذا عن عن السدي ومجاهد وعطاء والضحاك وقال أبو العالية: قوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) أي اعتصموا بالإخلاص لله وحده، وعن ابن زيد قال: الحبل الإسلام، والمعنى كله متقارب متداخل، فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة ورحم الله ابن المبارك حيث قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا.
وقوله تعالى (ولا تفرقوا) أي كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم، ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخوانا فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر، يعني ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته سبحانه وطاعة رسوله والانتهاء إلى أمره، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة، وقال أيضا رضي الله عنه: عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال قتادة: إن الله عز وجل قد كره لكم الفرقة وقدم إليكم فيها وحذركموها ونهاكم عنها ورضي والطاعة والألفة والجماعة فارضوا ما رضي الله لكم إن استطعتم ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) يعني واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام، واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء أي بشرككم يقتل بعضكم بعضا عصبية لا طاعة الله ولا طاعة لرسوله فألف الله بالإسلام بين قلوبكم فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء فأصبحتم تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه، ولذك قال قتادة والربيع: كنتم أعداء يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب.
فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع
(1) سورة آل عمران، الآية: 112.