الصفحة 63 من 97

فصل: الأمّة بين الإحتلال و الإستبداد، فما هو الحلّ

كنت قد قدّمت في سلسلة حقيقة الصّراع ضمن التّنبيهات، بعض المعضلات والمنكرات التي أدّت بالأمّة إلى الإنحطاط، وقد يتّفق معي الكثير حول ما نبّهت إليه لكن من الخطأ أن نقف عند هذا الحدّ، ونترك الأوضاع تتفاقم، لابدّ أن نفكّر في التّغيير مستفيدين من كلّ التّجارب، جازمين أنّ علاج واقع الأمّة يحتاج إلى تظافر جهود المخلصين في إطار عملي منظّم ومحدّد مراعين فقهَي الأولويات و المآلات كلّ ذلك تحت راية القرآن والسّنّة وعلى الفهم السلف الصالح لهذه الأمّة، مراعين في ذلك كذلك التفريق بين ثوابت الشّريعة ومتغيّراتها.

لابدّ للأمّة أن ترجع إلى الإسلام كحلّ شامل لما تعانيه، بعدما تخلّت عنه إلى مبادئ وأفكار وسياسات هدّامة، هدّمت وحدة الأمّة، وسياستها، واقتصادها، وثقافتها، ونظامها العسكري، وبدأت اليوم في هدم بنيتها الإجتماعية، لكن يجب أن تكون البداية بتحرير المنهج التّفكيري لدى كثير من النّاس الّذين وقعوا في حبائل الشّيطان، فصاروا يحلّلون الوقائع ويشخّصون الأدواء ضمن منهج الغرب الكافر المحتل، أو في إطار سياسة الأنظمة الكافرة المستبدّة، ذلك المنهج الغربي أو تلكم الّسياسة المستبدّة هي التي ما فتئت تكبح أيّ حركة نودّ القيام بها نحو التّغيير، فصار هؤلاء - واسمحوا لي أن أسمّيهم بالمنهزمين- ينطلقون من قاعدة أنّه لا يمكن أن نسود، ولا أن نغيّر إلاّ بعدما أن نحقق القوّة، ولمّا كانت هذه القّوّة بيد الغرب المحتل، أو بيد المستبد الظالم، قالوا لا يمكن لنا حينئذ أن نصطدم لا مع المحتلّ ولا مع المستبد، بل قالوا: علينا أن نسايرهم حتّى نتمكّن من القّوة فنغيّر؛ هذا هو الفكر التّعليلي للمنهزمين.

إنّ من يريد أن ينطلق في عمله من هذا التّحليل، فسيجد نفسه مرتميا في أحضان عدوّه أيّا كان، يعني مواليا له، وإن زعم أنّه يريد خدمة الإسلام، أو يزعم تخليص الأمّة من الظلم بنوعيه.

*فكم من مريد للخير لم ينله*.

وذلك أنّ عناصر القوّة التي يريد أن يكتسبها أصحاب هذا الفكر المنهزم هي عند العدوّ المحتل أو المستبد، وبالتّالي فلن يقدروا على الحصول عليها إلاّ بالإتصال به، وهكذا سيحوّل هذا النّمط من التفكير موقف هذا الفكر إلى فكر متطابق مع السياسة المراد تغييرها، لأنّ المنطلق كان على وفق منهج واحد، والمنهج الواحد لا يوصل قط إلى نتيجتين متناقضتين.

ولبيان ذلك أقول: إنّ هؤلاء المنهزمين اختاروا أنماط عمل للتغيير، فمنهم من اختار البحث عن القوّة في كواليس ودهاليس الحكم وذلك بالمشاركة في سياسة الأنظمة، وطريق ذلك العمل الحزبي.

ومنهم من أراد البحث عن القوّة وذلك بإشراك الجماهير ليكون وسيلة ضغط على صنّاع القرار. ومنهم من يراهن على جهود جامعة الدّول العربيّة لمواجهة مختلف التّحدّيّات.

1 -أمّا من اختار نمط العمل الحزبي فأقول: أنظر إلى الغاية التي قامت عليها الأحزاب الإسلامية والحال التي آلت إليه، كانت الغاية هي تحكيم شرع الله تعالى، ولمّا كان منطلق عملها وتحليلها ذلك الفكر المنهزم صارت هذه الأحزاب لبنة مساعدة لهذه الأنظمة الكافرة، بل صارت مدافعة على القانون الوضعي أكثر من واضعيه، أو على الأقلّ صارت قنوات تمرر عبرها القرارات الحاسمة والخطيرة؛ إنّ الحزبية في ظل هذه الأنظمة هو إعطاء المصداقية والصّبغة الشّرعية لها، إذ لابدّ لها من أن تخضع لقانون الأحزاب ومن أسسه إبقاء الدّولة بعيدة عن شريعة الله تعالى وهذا ما صرّح به حكّام الجزائر.

ثمّ أقول لهذه الأحزاب، تريدون تغيير ماذا؟ هل تريدون تغيير بعض جزئيّات القوانين وإبقاء القواعد الكلّيّة لها، إن كان الأمر كذلك فما غيّرتم شيئا، بل غُيّرتم، وإن كان هدفكم تغيير القواعد العامّة لهذه الأنظمة فواقع حالكم لا ينبئ بهذا.

ولمّا أتكلّم عن الأحزاب الّتي تزعم أنّها إسلامية، فإنّي أتكلّم عن الأحزاب الإسلامية الجزائرية، ولا أظن أن الأحزاب الإسلامية في العالم الإسلامي تختلف عن حالها، لاسيما ونحن نسمع بعض المواقف أقلّ ما نقول عنها مواقف مخزية كمواقف حزب النّهضة التّونسي، وحركة الإخوان بمصر، وحركة الإخوان السّورية، وحركة الإخوان بالأردن، ولا ندري إلى ما سيؤول إليه أمر الحزب الجديد المحسوب على السّلفيّة في الكويت، مع العلم أنّ الكويت أرض محتلّة.

نعم علينا أن نهتم بالسّياسة، وما يحاك حولنا، وأن ننازع السّاسة أمرهم، ولا يلزم من هذا أن ننخرط في العمل الحزبي الذي مهما يكون معارضا في الظاهر للأنظمة، فهو جزء من تركيبة النّظام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت