قال عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله في قول الله - تبارك وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [1] ، قال: (مَعناه هو أحسَنُ الأشياءِ وأجْمَلُهَا) انتهى [2] .
وقال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [3] ، وهذا نُورُ جَلاَلِهِ وَجَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وذلك إذا جَاءَ - سبحانه وبحمده - يوم القيامة، ولو كشَف الْحُجُبَ سبحانه وتجلَّى لِخَلْقِه في الدنيا لاحتَرَقَت المخلوقات من نور الجلال والجمال والعظَمَة.
وقد جاء في الحديثِ الصَّحِيحِ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ عَنْ رَبِّه تَعَالَى: (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) [4] ؛ والسُّبُحَاتُ بضمِّ السين والباء ورفع التاء في آخره وهي جمع سُبحة، وقال جميع الشارحين للحديثِ من اللغويين والمحدثين: سُبُحَاتُ وجهه الكريم هي نوره وجلاله وجماله وبهاؤه [5] .
قال ابن القيم رحمه الله في هذه السُّبُحاتِ: (فإذا كانت سُبُحَات وَجهه الأعلى لا يقومُ لَهَا شَيء مِنْ خَلْقه، ولو كَشَف حِجَابَ النور عن تلك السُّبحَات لأحرق العالَمَ العُلْوِي والسُّفْلِي فمَا الظَّنُّ بِجَلال ذلك الوجْهِ الكَرِيم وعَظَمَتِهِ وَكِبْريائِهِ وكمَالِهِ وجَلاَلِهِ وجَمَالِهِ!) انتهى [6] ، فالرب سبحانه قد احتجب عن مخلوقاته بحجاب من نُورٍ مَخْلوق، جَعَله سبحانه يَحْجِبُ نُورَ وجْهِهِ الكريم وجلاله وجَمَاله عن وُصوله إِلَى الْمَخلوقات حيث لا تَحْتمله؛ ولذلك يُعطِي الله المؤمنين في الجنة قوةً شديدة في أبصارهم ليطيقوا رؤيته التي هي أعلى نعيمهم كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [7] ، وحُقَّ لَهَا أن تُنَضَّر بِهَذا القُرْبِ والنَّظَر؛ وقد جاء في الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن رؤية أهل الْجَنَّةِ لِرَبِّهِم تعالى: (فَمَا أُعطُوا شَيئًا أحَبَّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ!) [8] ؛ [9] .
(1) سورة الشورى، من الآية: 11
(2) «الصواعق المرسلة» ، (2/ 344) .
(3) سورة الزمر، آية: 69.
(4) رواه مسلم برقم (197) من حديث أبي موسى الأشعري رضي اله عنه.
(5) أنظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (3/ 13 - 14) ، و «الديباج على مسلم» للسيوطي (5/ 225) ، وانظر: «فيض القدير» للمناوي (2/ 272) ، وانظر: «مشارق الأنوار» للسبتي (2/ 203) ، و «لسان العرب» لابن منظور (2/ 473) .
(6) «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» ، (1/ 234) .
(7) سورة القيامة، الآيات: 22 - 23.
(8) رواه مسلم برقم (181) من حديث صهيب الرومي رضي اله عنه.
(9) أنظر للفائدة ما كتبناه في ذلك في كتبنا: «معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والجمال» و «منازل الحور العين في قلوب العارفين برب العالمين» و «إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملِك الملوك» .