فليعنه عليه) [1]
وقد حدث طرف من ذلك في قصة الإفك فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه - وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العلقة من الطعام - فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل ... إلى قولها رضي الله عنها
وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قِبَل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا، فقالت يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي ... إلى قولها:
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه - وهو سيد الخزرج - وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن الحضير رضي الله عنه فقال: كذبت لعمر الله والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا ... إلى أن قالت:
(1) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك، ورواه أيضا مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة والبيهقي والبزار وألفاظه متقاربة عن أبي ذر رضي الله عنه.