يتضح مما سبق أن إعداد العدة - الإيمانية والمادية - واجب شرعي عند العجز عن ممارسة الجهاد عمليا، وأن الانشغال بهذا الإعداد دلالة صدق على إرادة الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن عدم الإعداد والحرص عليه دلالة على عدم إرادة الجهاد بنص القرآن، وهذا رد كاف على من يأمر الناس بالقعود والاستكانة بحجة عدم القدرة على تغيير الأنظمة الجاهلية.
سابعا: وأما قولهم: إن الثورة بالسلاح على الحكام وهم يتوهمه بعض الناس وهو بدعة عصرية فباطل ظاهر البطلان، إذ إن الله تعالى قد أمرنا بجهاد الكفار في غير ما موضع من قرآنه [1] ، وأوجب ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم وحث عليه ورغب فيه فيما صح عنه في كثير من الأحاديث [2] ، ولا يقول عاقل أن هذا القتال الواجب يكون بغير سلاح، ثم إن الخروج المسلح على الحكام والقيام بالثورة المسلحة عليهم منصوص عليه في حديث عبادة حيث قال في بنود بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم: وألا ننازع الأمر أهله، قال صلى الله عليه وسلم (إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) وهذا نص في الخروج المسلح على الأمراء حال كفرهم، وقد وقع على ذلك الإجماع وقد ذكرناه سابق بما يغني عن إعادته.
وهل كان فيروز الديلمي وأصحابه رضي الله عنهم مبتدعين وهم الذين احتالوا حتى ذبحوا الأسود المتنبي الكذاب بالسلاح، وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وحسن فعلهم بل وأمرهم بقتله.
وقد ذكر البخاري حديثه وفيه قال: قال عبيد الله بن عبد الله: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكر، فقال ابن عباس: ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم أريت أنه وُضِع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما، فأذن لي في نفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان) ، فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب [3] .
قال ابن تيمية رحمه الله: ثم خرج فيروز الديلمي على الأسود العنسي وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وهو في مرض موته، فخرج فأخبر أصحابه بذلك وقال: (قُتل الأسود العنسي الليلة قتله رجل صالح من قوم صالحين)
(1) ذكرنا بفضل الله تعالى ومنه مبحثا خاصا بالأدلة الشرعية الآمرة بالجهاد وقتال الكافرين مع نصوص أقوال أهل العلم فيها مع شرح مفصل لواجب الإعداد عند العجز عن مباشرة القتال فليرجع إليه من أراد.
(2) فصلنا ما ورد من الأدلة في فضل الجهاد والرباط والشهادة والحث عليها في مبحث خاص بذلك فلله الحمد والمنة سبحانه.
(3) كتاب المغازي، باب قصة الأسود العنسي، راجع: البداية والنهاية لابن كثير ج 6/ 307 - 310.