الصفحة 16 من 111

هجمات المجاهدين، فإنهم يسارعون بعد كل عملية جهادية بالإفتاء أن من قام بها خارجي ضال محارب لله ورسوله وللمؤمنين سفاك لدماء الأبرياء والمستأمنين مستحق للعقوبة في الدنيا ويوم الدين، فتنبه أيها الموحد لتعلم من هم أئمتك ومن قطاع الطريق إلى الله، لتكن على بينة وبصيرة من دينك ولا تغتر بكثرة الهالكين.

ويظهر مما تقدم كذلك أن قوله تعالى (إنما عليك البلاغ) لا يعني ترك البراءة من الكفار ومعبوداتهم وإنما يعني أنك لا تستطيع أن تهدي القلوب - هداية التوفيق - وإنما الذي يهديها هو ربها وخالقها، فما عليك إلا أن تبلغ ما أنزل إليك - هداية الدلالة والإرشاد - والله تعالى يتولى هداية القلوب، هذا هو قول المفسرين والعلماء ولذلك فقد قال الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء) [1] ، ولا يجوز أن يفهم من قوله تعالى (وما على الرسول إلا البلاغ) أي ليس عليك شيئًا مطلقًا غير البلاغ، فليس عليك تكفير المشركين أو البراءة منهم ومن أديانهم الباطلة وليس عليك معاداتهم، ولازم هذا أن يقال أيضا: وليس عليك الجهاد ولا عليك إقامة الحدود والشرائع، ولا عليك أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، فإن قالوا هذا غير صحيح لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأمرنا بهذه الواجبات، فهذا هو عين جوابنا على قولهم وبالله تعالى التوفيق والسداد.

ثم إنا نقول لهؤلاء: ألم يحكم الرسل حال استضعافهم على أقوامهم المكذبين بالكفر، بل وأعلنوا لهم ذلك؟ أفلم يكن لهم في هذا فائدة وفعلوا ذلك عبثا وسدى؟ وما كانوا يستطيعون قتلهم ولا جهادهم، أَوَكَان الأنبياء في إظهارهم هذا التكفير مثيري فتنة بلا فائدة؟

وهل كان قول سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لقومه (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين) [2] قولا بلا فائدة؟ وهذه آية مكية ولم يكن الجهاد قد فرض حين نزولها بل كان ممنوعا.

وهل كان حكمه تعالى على من أظهر الكفر ممن ينتسب إلى القبلة بالردة وذكره ذلك في القرآن بلا فائدة، قال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [3]

وهل كان حكم خليل الرحمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم على أبيه وقومه الذين عبدوا الأصنام بالضلال والكفر بلا فائدة حينما

(1) سورة القصص، الآية: 56.

(2) سورة الكافرون كاملة.

(3) سورة التوبة، الآية: 65 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت