فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 143

إن تصوير الشورى التي أمر بها الله عز وجل والتزمها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها من الديمقراطية الكفرية، لهو دليل على عظم جهل هؤلاء القوم بالفرق بين الشورى والديمقراطية، وأنهم يرونهما شيئًا واحدًا! .. هذا إن أحسنا الظن بهم ..

وإلا فهذا من التدليس في دين الله عز وجل والتلبيس على عباده ..

والعجيب أن القوم مع رفضهم للشورى التي يرونها ديمقراطية، يعرضون علينا بديلًا أسوأ!، ألا وهو الديكتاتورية!

فتسلطوا على عباد الله وقهروهم وسفكوا دماءهم، ثم قالوا تغلب وإمام متغلب!

سبحان الله .. يعرضون عن سنة الخلفاء الراشدين المهديين في اختيار الإمام بالشورى وتنصيبه برضى جمهور الأمة ومبايعتهم بعد مبايعة أهل الحل والعقد، ويذهبون إلى الظلم والتسلط والديكتاتورية ويسمونها تغلب!

يعرضون عن نهج خير القرون وأئمة العدل، ويتبعون نهج أئمة الجور والطواغيت والجبابرة!

فأي الطريقين أهدى سبيلًا يا أصحاب العقول والألباب!

إن ما يحتج به منظروا هذا التيار"الجديد"من أقوال لبعض الفقهاء صححوا فيها إمامة المتغلب، وإسقاطهم لتلك الأقوال على"أبي بكر البغدادي"، هو حديث ساقط لا يستحق الالتفات إليه، وينبئ عن عظيم تخبطهم وضعفهم بالعلم الشرعي ..

إذ القوم يتكلمون عن وعد الله والخلافة على منهاج النبوة، كما قال متحدثهم"العدناني"، في بيان إعلان الخلافة، وهذا حديث مناقض تمامًا لإمامة المتغلب!

ولكنهم تخبطوا وتناقضوا كما تخبط وتناقض"العدناني"في ذلك أيضًا، حيث جمع بين الخلافة الموعودة وبين إمامة المتغلب .. وتبعه - أو سبقه - شرعيوه على هذا التخبط والتناقض!

إن التغلب حالة من الظلم والعدوان والافتئات على الأمة وحرمان لها من حقها في الشورى وفي اختيار الأفضل، ولكن الفقهاء صححوا إمامة المتغلب اضطرارًا إن بايعته الأمة، وذلك لاعتبارات فقهية ارتأوها كدرء المفاسد وحقن دماء المسلمين ..

وباتفاق أهل العلم فإن إمامة المتغلب ليست من منهاج النبوة، بل هي مخالفة لها ..

فأن يأتي البعض ليحدثنا عن الخلافة على منهاج النبوة، ثم يستدل بكلام العلماء على تصحيح إمامة المتغلب، فهذا من التناقض البين الواضح، بل هو تخبط علمي فاضح!

فأصل مسألة الإمامة أن الإمام وكيل عن الأمة، وليس متسلطًا عليها، وأن الخلافة دولة أمة، السلطان فيها للأمة، كل ا?مة، وليست لجماعة من المسلمين، وأن الأمة تبايع الإمام الذي تختاره وترتضيه بالشورى ..

أما إمامة المتغلب فليست هي الأصل، وصحتها ليست محل إجماع بين الفقهاء، بل هم فيها على قولين:

الأول: بطلان إمامته وعدم وجوب طاعته، وهو قول المعتزلة والخوارج وبعض الشافعية ..

الثاني: صحة إمامته إن غلب الناس واجتمعوا عليه وبايعوه، وهو قول جمهور أهل السنة [1] ..

(1) للتفصيل راجع كتاب الإمامة العظمى، ص 222 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت