الصفحة 39 من 46

لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد أمرين لازم له:

-إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر.

-أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة.

لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى في الخمر والميسر"قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما". انتهى

ويقول: الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها (الفرق بين الحق والباطل/45) .

ويقول: فعليك بالموازنة في هذه الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة حتى يظهر لك التماثل والتفاضل وتناسب أحوال أهل الأحوال الباطنة لذوي الأعمال الظاهرة، لا سيما في هذه الأزمان المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف، لنرجح عند الأزدحام والتمانع خير الخيرين، وندفع عند الاجتماع شر الشرين، ونقدم عند التلازم -تلازم الحسنات والسيئات- ما ترجح منها، فإن غالب رؤوس المتأخرين وغالب الأمة من الملوك والأمراء والمتكلمين والعلماء والعباد وأهل الأحوال يقع غالبا منهم ذلك، وأما الماشون على طريقة الخلفاء الراشدين فليسوا أكثر الأمة. (الاستقامة21/ 168 - 169) .

ويقول: والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تحصل أعظم المصلحتين بفوات أدناهما، وتدفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما (الاستقامة1/ 288) .

ويقول: وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.

ولكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الانسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوزه النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام.

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا لم يجز أن يأمروا بالمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر.

ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وزوال فعل الحسنات.

وإن كان المنكر أغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائر عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله.

وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان؛ لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.

فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمورالمعنية الواقعة.

وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا.

وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة، يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع ولا حول ولا وقوة إلا بالله (الاستقامة2/ 218 - 219) .

تأمل أخي في كلامه وادع الله لهذا الامام باجزال المثوبة والرحمة له.

والآن قارن كلام الكاتب بالكلام التالي لابن تيمية رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت