فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 102

فقد ذكر شيخ الإسلام: (أن مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد أيضا في المشهور عنه أن من شهدت عليه بيّنة بالردة فأنكر وتشهد الشهادتين المعتبرتين حكم بإسلامه، ولا يحتاج أن يُقِر بما شُهد به عليه، فكيف إذا لم يشهد عليه عدل) أهـ مجموع الفتاوى (35/ 124)

فلو تدبر هؤلاء هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم لكان لهم فيه أسوة حسنة .. فإن المنافقين في زمنه لم يكونوا يجرؤون على التصريح بكفرهم في حضرة من يهابونه من المسلمين لمعرفتهم بأنهم يؤخذون بذلك، ويُعاقبون: فربما لمّحوا تلميحا يُظهر ما تنطوي عليه صدورهم من الكفر، كما قال تعالى: (( ولتعرفنّهم في لحن القول ) ). ومنهم من يُصرّح بذلك ولكن لا يَثبُت عليه ثبوتا شرعيا لعدم اكتمال البينة، ثم يدفعون التهمة بالأيمان يتخذونها جنة، وذلك كالذين قال تعالى فيهم: (( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر .. ) )وقال تعالى: (( اتخذوا أيمانهم جنة ) )..

فأحيانا كان يسمعهم صبي أو امرأة أو رجل من المسلمين فيشهد بما سمع ولا يكفي هذا للإثبات، فترد شهادته ولا يعاقبون بها، كما شهد زيد ابن الأرقم على عبد الله بن أبي بأنه قال: (( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ).. كما في الصحيح [1] ... ثم لما رجعوا اجتهد ابن أبي يمينه أنه ما فعل، حتى قال الناس: كذب زيدٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ومع أن الوحي صدّق زيدا، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مطلعا بالوحي على أعيان المنافقين .. إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤاخذهم بالوحي، وبالاحتمالات أو الظنون أو الشواهد التي لا تكفي .. وإنما عاملهم صلى الله عليه وسلم بطرق الإثبات الشرعية التي هي البينة أو الإقرار تعليما لأمته ..

* أضف إلى هذا ضرورة التنبيه إلى أنه لا بد في أداء الشهادة في التكفير والردة من التفصيل، حتى تكون البينة صحيحة وكاملة وواضحة ..

قال القاضي برهان الدين بن فرحون المالكي: (ولا تقبل الشهادة بالردة المجملة كقول الشهود، كفر فلان، أو ارتد، بل لا بد من تفصيل ما سمعوه ورأوه منه، لاختلاف الناس في التكفير، فقد يعتقدون كفرا ما ليس بكفر) أهـ (2/ 277) تبصرة الحكام ..

-تنبيهان مهمان:

أولهما: أن اشتراط البينة الشرعية الكاملة أو الإقرار؛ إنما هو في التكفير وما يترتب عليه من إباحة العصمة وسفك الدماء أما في التحذير من شرهم أو من فجورهم وفسقهم وتلاعبهم أو بدعهم فالأمر دون ذلك .. إذ التحذير يدخل في باب الإخبار، ومعلوم أن شروط قبول الخبر عند العلماء ليست كشروط الشهادة بل هي دونها [2] ، وقد قال عبد الله بن مسعود: (اعتبروا الناس بأخدانهم) ..

(1) ـ الحديث في الصحيحين، أنظر البخاري كتاب التفسير باب (( اتخذوا أيمانهم جنة ) )والأبواب بعده.

(2) ـ ومما يبين ذلك ويوضحه أن رواية المرأة كرواية الرجل وليست شهادتها كشهادته، و الشهادة في الزنا لا بد فيها من أربعة بينما الرواية فيه لا تحتاج إلى ذلك، أنظر مذكرة الأصول للشنقيطي ص (111) ، وأيضا فإنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة بخلاف الشهادة، أنظر المذكرة أيضا ص (119) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت