فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 246

وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها، والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي .. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير.

{إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا} ...

{ناشئة الليل} هي ما ينشأ منه بعد العشاء، والآية تقول: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ} : أي أجهد للبدن، {وأقوم قيلا} : أي أثبت في الخير (كما قال مجاهد) فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش، بعد كد النهار، أشد وطأ وأجهد للبدن، ولكنها إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله، وإيثار للأنس به، ومن ثم فإنها أقول قيلا، لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعًا، وللمناجاة فيها شفافيتها، وإنها لتسكب في القلب أنسا وراحة وشفافية ونورا، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره .. والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحا واستعدادا وتهيؤا، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيرًا فيه.

والله ـ سبحانه ـ وهو يعد عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليتلقى القول الثقيل، وينهض بالعبء الجسيم، اختار له قيام الليل، لأن ناشئة الله هي أشد وطأ وأقوم قيلا، ولأن له في النهار مشاغله ونشاطه الذي يستغرق كثيرًا من الطاقة والالتفات.

{إن لك في النهار سبحا طويلًا} ..

فليقض النهار في هذا السبح والنشاط، وليخلص لربه في الليل، يقوم له بالصلاة والذكر:

{واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} ...

وذكر اسم الله، ليس هو مجرد ترديد هذا الاسم الكريم باللسان، على عدة المسبحة المئوية أو الألفية، إنما هو ذكر القلب الحاضر مع اللسان الذاكر، أو هو الصلاة ذاتها وقراءة القرآن فيها، والتبتل هو الانقطاع الكلي عما عدا الله، والاتجاه الكلي إليه بالعبادة والذكر، والخلوص من كل شاغل ومن كل خاطر، والحضور مع الله بكامل الحس والمشاعر.

ولما ذكر التبتل وهو الانقطاع عما عدا الله، ذكر بعده ما يفيد أنه ليس هناك إلا الله، يتجه إليه من يريد الاتجاه.

{رب المشرق والمغرب، لا إله إلا هو، فاتخذه وكيلا} ..

فهو رب كل متجه .. رب المشرق والمغرب .. وهو الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو. فالانقطاع إليه هو الانقطاع للحقيقة الوحيدة في هذا الوجود، والتوكل عليه هو التوكل على القوة الوحيدة في هذا الوجود، والاتكال على الله وحده هو الثمرة المباشرة للاعتقاد بوحدانيته، وهيمنته على المشرق والمغرب، أي على الكون كله .. والرسول الذي ينادى: قم .. لينهض بعبئه الثقيل، في حاجة ابتداء للتبتل لله والاعتماد عليه دون سواه فمن هنا يستمد القوة والزاد للعبء الثقيل في الطريق الطويل.

ثم وجه الله الرسول إلى الصبر الجميل على ما يلقاه من قومه من الاتهام والإعراض والصد والتعطيل، وأن يخلي بينه وبين المكذبين، ويمهلهم قليلًا، فإن لدى الله لهم عذابًا وتنكيلا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت