فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 246

وقد صح عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل أنه لم يتجاوز إحدى عشرة ركعة، ولكنه كان يقضي في هذه الركعات ثلثي الليل إلا قليلًا، يرتل فيه القرآن ترتيلا.

روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يحيى بن سعيد ـ هو ابن أبي عروبة ـ عن قتادة، عن زرارة ابن أوفي، عن سعيد بن هشام .. أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر قال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فسلها، ثم ارجع إلى فأخبرني بردها عليك، ثم يقول سعيد بن هشام: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى: قالت: فإن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألست تقرأ هذه السورة: «يا أيها المزمل» ؟ قلت: بلى، قالت فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله ختامها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة .. فهممت أن أقوم، ثم بدا لي وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله كما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ثم يتوضأ، ثم يصلى ثمان ركعات لا يجلس فيهن، إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو، ثم ينهض وما يسلم، ثم يقوم ليصلى التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله وحده، ثم يدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك تسع يا بني. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من نهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان ... » [1] .

وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله الله عليه.

{إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} ..

هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف .. القرآن في مبناه ليس ثقيلًا فهو ميسر للذكر، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل في أثره في القلب: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} .

فأنزله الله على قلب أثبت من الجبل يتلقاه ..

وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن الاتصال بالملأ الأعلى وبروح الوجود وأرواح الخلائق الحية والجامدة على النحو الذي تهيأ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردد ولا ارتياب، ولا تلفت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات، لثقيل، يحتاج إلى استعداد طويل.

(1) وأخرجه مسلم من حديث قتادة .. وهناك أحاديث كثيرة وأقوال متعددة في صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بالليل ووتره، صحت فيها كيفيات متعددة لهذه الصلاة (يراجع زاد المعاد لابن القيم في هديه - صلى الله عليه وسلم -، في قيام الليل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت