لقد كَمُل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين، ورضيه الله لهم منهج حياة للناس أجمعين. ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر، ولا لشيء من شريعته إلى شريعة أخرى، وقد علم الله حين رضيه للناس أنه يسع الناس جميعًا، وعلم الله حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا، وأنه يسع حياة الناس جميعًا، إلى يوم الدين. وأي تعديل في المنهج - ودَعْك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة يخرج صاحبه من هذا الدين. ولو قال باللسان ألف مرة: إنه من المسلمين! وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، والعمل- وهو أقوى تعبيرًا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟!
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة. والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكَلِم عن مواضعه .. وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح والواضع الأكيد .. {فأولئك هم الكافرون} .. {الظالمون} .. {الفاسقون} ..
وقد علم الله أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم، وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله وإتباع المحكومين والمتحاكمين، وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه، في بعض الملابسات والظروف، فحذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات من إتباع أهواء المتحاكمين، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه .. {فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} .
وأول هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة؛ والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد، ومسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة، والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة، أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة.
وهل يجرؤ إنسان أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟ أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله خاتم النبيين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد، كان الله - سبحانه - يجهل أن أحوالًا ستطرأ، وأن حاجات ستتجدد، وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه حتى انكشفت للناس في آخر الزمان؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله من يُنَحي شريعة الله عن حكم الحياة ويستبدل بها شريعة الجاهلية، وحكم الجاهلية، ويجعل هواه هو، أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله .. وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟! الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟ ألم يكن هذا كله في علم الله، وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته، وأن يسيروا على منهجه، وألا يُفتنوا عن بعض ما أنزله؟ قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة، والأوضاع المتجددة، والأحوال المتقلبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله وهو يشدد هذا التشديد، ويحذر هذا التحذير؟