4 -منهج لتحرير الإنسان: ثم إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان .. ففي كل منهج - غير المنهج الإسلامي - يتعبد الناس الناس، ويعبد الناس الناس. وفي المنهج الإسلامي - وحده - يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك ..
إن أخص خصائص الألوهية - كما أسلفنا - هي الحاكمية .. والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها، فهم عبيده لا عبيد الله؛ وهم في دينه لا في دين الله .. والإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان، بل يعلن"ميلاد الإنسان".. إن هذه القضية هي أخطر وأكبر قضايا العقيدة .. إنها قضية الألوهية والعبودية .. قضية العدل والصلاح. قضية الحرية والمساواة. قضية تحرر الإنسان - بل ميلاد الإنسان - وهي من أجل هذا كله كانت قضية الكفر أو الإيمان، وقضية الجاهلية أو الإسلام ..
والجاهلية ليست فترة تاريخية؛ إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام .. وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر، لا إلى منهج الله وشريعته للحياة. ويستوي أن تكون هذه الأهواء، أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل من الناس .. فكلها .. ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله .. أهواء .. يشرع فرد لجماعة فإذا هي جاهلية. لأن هواه هو القانون .. أو رأيه هو القانون لا فرق إلا في العبارات! وتشرع طبقة لسائر الطبقات فإذا هي جاهلية لأن مصالح تلك الطبقة هي القانون أو رأي الأغلبية البرلمانية هو القانون لا فرق إلا في العبارات!
ويشرع ممثلو جميع الطبقات وجميع القطاعات في الأمة لأنفسهم فإذا هي جاهلية، لأن أهواء الناس الذين لا يتجردون أبدًا من الأهواء، ولأن جهل الناس الذين لا يتجردون أبدًا من الجهل، هو القانون - أو لأن رأي الشعب هو القانون - لا فرق إلا في العبارات!
وتشرع مجموعة من الأمم للبشرية فإذا هي جاهلية. لأن أهدافها القومية هي القانون- أو رأي المجامع الدولية هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات!
ويشرع خالق الأفراد، وخالق الجماعات، وخالق الأمم والأجيال، للجميع، فإذا هي شريعة الله التي لا محاباة فيها لأحد على حساب أحد، لا لفرد ولا لجماعة، ولا لدولة، ولا لجيل من الأجيال. لأن الله رب الجميع والكل لديه سواء. ولأن الله يعلم حقيقة الجميع ومصلحة الجميع، فلا يفوته سبحانه أن يرعى مصالحهم وحاجاتهم بدون تفريط ولا إفراط. ويشرع الله للناس فإذا كلهم أحرار متساوون، لا يحنون جباههم إلا لله، ولا يعبدون إلا الله، ومن هنا خطورة القضية في حياة بني الإنسان، وفي نظام الكون كله {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} .
فالحكم بغير ما أنزل الله معناه الشر والفساد والخروج في النهاية عن نطاق الإيمان .. بنص القرآن ..
إن الله هو الجهة التي تملك حق تنزيل الشرائع وفرض القوانين {فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يجيئون إليه متحاكمين. ولكنه ليس خاصًا بهذا السبب بل هو عام. وإلى آخر الزمان. طالما أنه ليس هناك رسول جديد، ولا رسالة جديدة، لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير.