فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 246

إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك.

وهو- سبحانه- يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة، ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها .. ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد .. لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها. فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرفه .. أيشكر عليها ويؤدى حق النعمة فيها؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة» .. فالفتنة لا تكون بالشدة وبالحرمان وحدهما .. إنها كذلك تكون بالرخاء وبالعطاء أيضًا. ومن الرخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد ..

هذا هو التنبيه الأول:

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} .

فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار، كان ذلك عونا له على الحذر واليقظة والاحتياط، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة.

ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض .. فقد يضعف عن الأداء- بعد الانتباه- لثقل التضحية وضخامة التكليف، وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد. إنما يلوح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوى:

{وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .

إنه - سبحانه- هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه: «وخلق الإنسان ضعيفًا» ..

إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصور، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف، منهج الله الذي يعلم، لأنه هو الذي خلق: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟» .

والهتاف الأخير للذين آمنوا- في هذا المقطع من السورة- هو الهتاف بالتقوى. فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال، إلا وهى على بينة من أمرها ونور يكشف الشبهات ويزيل الوساوس ويثبت الأقدام على الطريق الشائك الطويل. وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ..

هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق .. زاد التقوى التي تحيى القلوب وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقى. وعدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر، فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة .. ثم هو زاد المغفرة للخطايا، الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار .. وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد وتقصر الأعمال.

إنها حقيقة: أن تقوى الله تجعل في القلب فرقانا يكشف له منعرجات الطريق ولكن هذه الحقيقة - ككل حقائق العقيدة- لا يعرفها إلا من ذاقها فعلًا. إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها.

إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل، والطرق تظل متشابكة في النظر والفكر، والباطل يظل متلبسا بالحق عند مفارق الطريق. وتظل الحجة تفحم ولكن لا تقنع. وتُسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل. ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا .. ذلك ما لم تكن هي التقوى .. فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشف الطريق، واطمأن القلب، واستراح الضمير، واستقرت القدم وثبتت على الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت