الحمد لله الذي جعل في المعارف لذة العقول والأرواح، و في الفوائد والنكت والطرائف منتهى المسرات والأفراح، وحبّب إلى طلبة العلم والأدب الأسفار والدفاتر، المتضمنة تجارب الأوائل والأواخر، فكانت أنِيسهم في الخلوات، وسميرهم في السهرات، فكم تغنوا بمدْحها، ولهجوا بالثناء عليها، وأطنبوا في وصف عوائدها ونفعها، وقد صدقوا والله فهي أكثر مما قالوا و أجّل، وأهدى إلى المكارم والفضائل وأدلّ، وبأدنى تأمل وتفكير، ينتبه الباحث الخبير، إلى عِظم قدر ما يصرف فيه الإنسان نفيس وقته، ويكد ذهنه ويحرق دمه راضيًا مطمئنًا، فرحا مسرورًا، والصلاة والسلام على سيد البلغاء والفصحاء، الذي امتدح القريض والبيان، و رغّب لتذوق الإعجاز في تدبر القرآن، وكان يمزح ولا يقول إلا حقّا، يلاطف مؤثرًا صوابًا وصدقًا، وعلى آله وأصحابه أهل العقول الراجحة، والمساعي الرابحة، أما بعد:
فهذا كشكولي ومخيلاتي، ومستطرفي ومشكاتي، وجليسي وبهجتي، وأنيسي و جؤنتي [1] ، سلكت فيه جميع من مضى، وحاذيت به سبيل الرعيل المرتضى، جمعت فيه أمشاجًا وأخلاطًا، ومددت من موائد اللطائف سماطًا، فهو لا أول له ولا آخر، بين جادّ من كلامه وساخر، ولا يخضع لضابط ولا نظام، ولا ينحصر في فن من فنون الكلام، وشرطي فيه أن لا أثبت منشورًا، ولا أُدوّن مذكورًا، إلا إذا ذيلته بتنبيه على نظير، أو إشارة إلى شيء خطير، وقد ينشر بعض ما أذكره بعد ذلك، فلا لوم عليّ في ذكره هنالك، متجردًا -فيما- أزعم من الغرض والهوى، وإن كانت هذه الدّعوى صعبة الفحوى، ولكنني بذلت جهدي، وقلت ما عندي، وربما ذكرت فيه رسائل لغيري برمتها، وتقاييد بأكملها، ضنا بها على الضياع و الدثور، ولتيسير الوقوف عليها والعثور، وقد سبق هذا الديوان نظائر له إلاّ أنها لا تبلغ حجمه في الكبر، ولم تحوِ ما تضمنه من الغرائب والعِبر، فدونك (مذكرات) كما تسمى بلغة العصر الحاضر، ولهجة العرائض والمحاضر، ولعلك واجد فيها ما تقر به عينك، ويرتضيه أدبك و فنك، وإن لم تكن هذه ففي طرائفه وفكاهته، ما يتكفل بانشراح الخاطر العليل، وإمتاع البصر الكليل، ولا تشمئز من أسرار مطوية تذاع، ومجون فاضح يصك الأسماع، فلذلك مسوّغات يعرفها المتأمل البصير، وإلى الله المرجع و المصير، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وسميت هذا الديوان [2] : (جراب السائح، الحاوي للعظات والنصائح، و زهر الأدب الفائح، وثمار ما أنتجته القرائح) [3] .
(1) إشارة إلى كتب أدبية كان لها الأثر الكبير في كتابات الشيخ واختياراته الأدبيّة ..
(2) عبارة عن موسوعة أدبية في 14 مجلدًا .. لا يضمّها باب ولا يحويها فصل، كما ذكر الشيخ:"لا يخضع لضابط ولا نظام، ولا ينحصر في فن من فنون الكلام". والكتاب مخطوط بخط الشيخ الجميل، إلا مقالات منه نشِرت من قبلُ مفرّقة، وجمعناها في هذا المجموع للفائدة.
(3) قال أبو الفضل عمر الحدوشي: أذكر هنا في هذا الجزء الذي جمعنا به تلميذنا النجيب، وكاتبنا اللبيب، وولدنا الحبيب: أنني أرسلت رسالة لشيخنا العلامة أبي خبزة من وراء القضبان، أقول في آخرها: (كنت ظننت أنكم تركتم كتابة باقي أجزاء(الجراب) ، حتى بعثتم لي بالجزء (الحادي عشر) منه إلى السجن، فسررت به غاية السرور فكتبت عليه تقريظًا متواضعًا تحت عنوان: (الدرة السنية، والوردة الجميلة) ، أو: (الورقة الغائبة) أتغزل بها وبما جاء فيها من الفوائد النادرة، والقصائد اليتيمة والرنانة، تحت عنوان: (فضل الأديب لا ينكره الحبيب (.
ولثمت فاها في الظلام فأشرقا * كالفجر يجتذب العيون تألُّقا
من مخبر الحسناءِ أني مدنفٌ * من حبها قلبي يذوب تشوقا
هي في مراتعها تَنِطُّ غزالة * مِمْراح رقَّ لها الهمام فأعتقا
لولا الأديب محمد قد أفلتتْ * من كفها ذاك العنان المطلقا
خبر الحياة بحلوها وبمرها * وشأى المنام نباهةً وتفوقا
رفع اللواء لكل مجد فارسا * باسم البطولة في معارجها ارتقى
هو كهف لمن رام الملاذ وخِضْرِمٌ * إن راقَ طابَ وإن تكدَّر أغرقا
فاسأله فضلًا يعطك الفضل الذي * ترجوه لن تلفِيْهِ ثَمَّةَ مشفقا
حفظ الإله غدوه ورواحه * وأناله ما يبتغيه مصدقا
ما سبح القَمْريُّ في رَأَدِ الضحى * وسعى الحجيجُ لمكة بلد التقى
ثم قلت: كتبه تلميذه المحبوس من أجل عقيدته بالسجن المحلي بتطوان 16 شوال 1429
ولما قرأت في الجزء السادس من كتاب: (الجراب) لشيخنا أبي أويس كيف حج هو وزجه الشريفة أم أويس فقال-تحت عنوان: (وأي فتىً كخبز) .
إليك أخا التقى أزكى تحيهْ * من الخفاق عاطرة نديهْ
ففي قسمات وجهك آي نور * يضيء لكل من أسرى الدجيهْ
أبا خبزٍ وأي فتىً كخبزٍ * يباهي القوم بالنفس الأبيهْ
حججتم صحبة الأهلين يحدو * طريقك صالح الأعمال نيهْ
لديك سريرة أصفى وأوفى * وفيك إلى المكارم أريحيهْ
فكم أكرمتني وذببت عني * وكم أبعدت عن نفسي الزريهْ
رعاك الله ما طلعت نجوم * فأنشتنا أشعتها السنيَّهْ
وفك الله أسر أخيك حتى * نعيش معًا ليالينا سويهْ
فأجابني شيخنا العلامة الأديب أبو أويس قائلًا: ( ... وأبياتك السبعة حسنة سليمة ... من بحر الوافر ... وفيها شاعرية وجمال وقد وازنتها من البحر والقافية الساعة فقلت:(يا حلف المزية) :
رعاك الله يا حلف المزيه * ويا ربَّ السخا، والأريحيه
ملكتم بالعوارف رق خِل * تلقاها بأدعية سنيه
ولم ير كُفأها إلا نداءًا * بتفريج الكروب المأسويه
تصبَّر يا أخي فالكرب نار * تذيب الرجس في النفس الأبيه
وما في الأنبيا والرسل فرد * خلا من فتنة تختال حيه
فكانوا قدوة للصالحين * فأبشر باقتفا خير البريه
وبالفرج القريب يفك منك * قيودًا دسَّهَا زمَر رديه
بها الطاغوت أوصى في غياب * من الحق الصريح بسوء نيه.
لما أرسل لي شيخنا الجزء السابع من (الجراب) للسجن، قمت بكتابة هذا التقريظ، وأرسلته لشيخنا العلامة أبي أويس، وهذا مطلعه:
هو درةُ الأسفار مفتاح العقولْ * هو منبعٌ للعلم كم يشفي الغليلْ
جادتْ به أفكار نابغة عدا * في مسرح العرفان كالفرس الأصيلْ
قد أتحف الطلاب أجمعهُم به * فغدا رياضًا ذلك الربع المَحيلْ
يدعو إلى التوحيد نِعمتْ دعوةٌ * تسمو بروح المرء في دنيا الأصول
فلمثله تهفو نواظر فتيةٍ * وقلوبُهم بالشوق يُضرم للفتيلْ.
ثم قال: كتبه تلميذه عمر الحدوشي بالسجن المحلي بتطوان 14 جمادى الثانية 1428 هـ.
ولما أهدى لي شيخنا العلامة أبو أويس (الجزء الثامن من جراب الأديب) ، قمت بتقريظه بأبيات خمسة-من البسيط-تحت عنوان: (سحر الأدب) .
نِعمَ اليراعُ أشاعَ السحر في (الأدب) * من نفثِ هاروتَ مُخْتالًا من العجب
كَمْ تُحفةٍ من بديع النثْرِ مُشْتَمِل * بها ونهرٌ من الأشعارِ مُنْسكِبِ
وكَم حكايا عن العُشَّاقِ مُلْهمَةٍ * لِلْمُنشدين وأهلِ الفنِّ والطَّرَبِ
مَرْحَى يا أبا خبزةٍ حُيِّيتَ من عَلَمٍ * فَرِيدُ دَهْرٍ تَقِيٍّ مُسْلِمٍ عَرَبِي
وسَدَّد اللهُ خَطْوًا منك تَرْسُمُهُ * على طريقِ المعالِي غير مُنْقَلِبِ
ثم قال: كتبه تلميذه عمر الحدوشي بالسجن المحلي بتطوان 4 محرم 1430 هـ ..
والباقية معلومة محلها، كتابي: (مراسلاتي مع شيخنا العلامة أبي أويس) .