قال المقري: فكان ذلك مما استدل به على قوة جنانه وانقياد لسانه لبيانه هـ.
قلت: (أبو أويس) وتذكرت بهذه الحكاية ما وقع لسيدي الوالد الفقيه العدل الأمين بن عبد الله العمراني المكنى أبا خبزة وكان خطيب جامع الباشا بتطوان سنين عديدة وذلك أنه انْتصب قائما داخل المقصورة الخشبية على المنبر بحضرة أمير الوقت الحسن بن المهدي وشرع في الخطبة ظنًا منه فراغ المؤذنين وكان المؤذن الثالث لم يشرع في آذانه فلما سمعه أمسك وظل واقفا إلى أن فرغ ثم استأنف خطبته، والصواب إن شاء الله أن الخَطِيبين معا مُخطئان.
الأول: حيث حكم بأن الأذنين الثاني والثالث مندوبان.
والثاني: حيث أمسك عن الخطبة وانتظر فراغ المؤذن الثالث، والأول عندي أولى باللوم لما يوصف به من سعة علمه بالحديث، واعتنائه بالرواية والدراية، علاوة على الفقه والبراعة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأحاديث الأحكام وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات أن الآذان كان يوم الجمعة واحد، عندما يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد و يرقى المنبر و يسلم على الحاضرين ويجلس، وأن الآذان كان على باب المسجد فيما يسمى المنارة كما في بعض الروايات و ربما كان المراد بها سطح المسجد فوق الباب، وأن المراد بالآذان الثالث آذان سابق، لهذا أحدثه الخليفة عثمان رضي الله عنه على داره المسماة بالزوراء في السوق، لتنبيه الناس إلى التوّجه إلى المسجد فهو بمثابة النداء المحدث عندنا قبل موعد الصلاة بنصف ساعة أو بساعة إلا الربع، والذي ألفاظه عندنا: أحضروا للصلاة، وحكم الله ينادى بها مثنى مثنى، ولا أدري من أحدثه بهذه الصفة والصيغة، ولعله من بدع الأندلسيين وسميّ النداء الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه على داره الزوراء ثالثا. باعتبار تسمية الإقامة نداء كقوله صلى الله عليه وسلم:"بين كل أذانين صلاة" [1] وأما إذا أخذنا الآذان عندنا بالمغرب والذي أحدثه الأندلسيون فإن عدده خمسة ثلاثة متواصلة عند جلوس الإمام على المنبر والإقامة بعده، والآذان السابق بأُحضُروا للصلاة المشار إليه آنفا، وهو ابتداع محض في الدين وزيادة في شرع الله لم يأذن بها الله، وقد وقع في نفس الغلط أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في (الاعتصام) فأقرّ هذه
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، حديث (627) . وأخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب بين كل أذانين صلاة، حديث (304/ 838) عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة وقال في الثالثة لمن شاء"متفق عليه وفي رواية ضعيفة عند البيهقي: بين كل أذانين صلاة ما خلا المغرب (2/ 474) .