فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 31

والجانب الآخر .. اعتبار صاحب الكتاب أن التصديق هو قول القلب وبالتالي يسقط بمجرد التكذيب فقط (كفر التكذيب) وهو في هذا يناقض ما كان قد سبق أن بينه عن الاعتقاد وأنه يشمل ثلاثة عناصر رئيسية:

أ - العلم ... ب- التصديق ... جـ - الالتزام) أ. هـ (1)

ومن خلال هذه السلسلة من التناقضات انتهى صاحب الكتاب إلى قراره المنتظر من مثل هذا المسلك وهو:

(ونخلص من هذا إذن إلى أنه من زعم أنه معتقد اعتقادًا صحيحًا وهو يعمل عملًا من أعمال الكفر الأكبر فهذا لا يصح أن يعتبر مسلمًا بأي حال من الأحوال بل هو كافر رغم زعمه صحة الاعتقاد لأن اعتقاده القلبي يكون قد سقط ولا محالة لإتيانه ما يضاده مضادة كاملة وإن لم يصرح بذلك.

ومن قال إنه يعتبر مسلمًا لصحة اعتقاده فهو من المرجئة الذين يجعلون الإيمان هو مجرد عقد القلب دون الأعمال) أ. هـ (2)

وقد كان ذلك هو المحصلة الطبيعية لخط الانحراف الذي يبدأ غالبًا بدرجة سرعان ما تتسع لتسيطر وتشمل الكثير من المفاسد.

وقد كانت بداية خط الانحراف - كما قلنا وسبق أن بينا - أن صاحب الكتاب أخرج أعمال الشرك ووجوب تركها والتبري منها عن الاعتقاد، فجعلها من العمل المتنازع عليه بين أهل السنة وأهل الإرجاء في القديم، مع أنه من المعلوم والمشهور أن أهل الإرجاء ما نازعوا إلا في الكبائر والذنوب وسائر المعاصي وترك أعمال الطاعات"اهـ"

قلنا: فإلى جانب ما أوضحناه سابقًا، وهو ما يردّ على النقطة الأولى فيما رآه تناقضًا في مقرراتنا، فإنّ صاحبنا قد دلّس علينا، فلم يذكر ما نوهنا به في هذه النقطة بالذات ص25 هامش 3، حين علقنا على قول بن القيم، في تعريف قول القلب، قلنا"وهو المعنى الذي نبهنا عليه سابقا، من أنه إذا اعتبر"أي بن القيم"أن الإعتقاد هو قول القلب، لزم ان يكون"قول القلب"شاملًا للتصديق والإنقياد". فإبن القيم لم يقصد في نصه في كتاب الصلاة التوسع وشرح هذه النقطة بالذات، وسرد كلّ مكونات قول القلب، ثم، إن هذا الإلتزام النصيّ العجيب بقول الإئمة في موضع واحد من كتاباتهم، كأنها قرآنا يتلى، ليس من مذهب أهل السنة، وليذكر لي صاحبنا إذن، حين يقول أن قول القلب هو النية والإخلاص، ماذا تعنى النية؟ النية على ماذا، إن لم تكن على الإنقياد لله؟ والإخلاص، ماذا يعنى؟ أليس يعنى إخلاص التوحيد لله، في الجانب القلبيّ منه؟

أما عن قوله"الجانب الآخر ..."، فإن ما نقله من هامش كتابنا (ص 89، هامش1) ، من تقريرنا أن"الكفر من باب الاعتقاد يكون إما بسقوط قول القلب (أي تصديقه) ويكون من الكذب وهو كفر التكذيب أو بسقوط عمل القلب أي انقياده والتزامه ومحبته"، وزعم أنه يتناقضّ مع العناصر الثلاثة التي ذكرنا، نقول: ليس فيه أي تناقضٍ، وإنما قررنا، حسب ما رأينا من أن الإعتقاد يشمل قول القلب وعمله، وأنّ كلام بن القيم عن قول الفلب لا يناقض ذلك كما اسلفنا. قررنا إذن أن سقوط قول القلب اي تصديقه يكون بالتكذيب، وسقوط عمل القلب يكون بعدم توفر عزيمة الإلتزام والإنقياد فيه، وهو ما يمكن أن يدخل تحت مُسَمّى كفر الإعراض أو العِناد والإستكبار.

ثم ننقل اخيرًا إلى ما ذكره صاحبنا من مقارنة بين المرجئة القدماء، ومن أسميناهم مرجئة العصر الحديث، ونعلق عليه بعد.

قال صاحبنا:"وذلك أن أي مقارنة بسيطة بين فكر وأصول أهل الإرجاء في القديم مع فكر أهل الفرق في الحديث ليكشف في سهولة ويسر مدى التفاوت العظيم بينهما على نحو ينفي تمامًا أي ادعاء وتقارب بينهما فضلًا عن القول بالتطابق:"

المرجئة في القديم قالوا:

أهل الفرق في الحديث قالوا:

الإيمان قول وأخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان

الإيمان قول وعمل.

الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

الإيمان يزيد وينقص.

لا يضر مع الإيمان ذنب.

لا يضر مع الإيمان شرك.

أصل مذهبهم الدفاع عن عصاة الموحدين (الزاني والسارق ... )

أصل مذهبهم الدفاع عن المشركين.

غاية مذهبهم أن عصاة الموحدين مؤمنون كاملي الإيمان.

غاية مذهبهم تفسيخ عقيدة التوحيد ليستوي المؤمنون والمجرمون والمسلمون والمشركون."اهـ"

وهذا البيان من صاحبنا عن الفرق بين المرجئتين، يوضّح مذهبه في توسيع دائرة التكفير، إتباعًا لعمومات دون النظر في مخصّصاتها، وتطبيقًا لأحكام دون التدقيق في مناطاتها.

وقوله إن من دخلت عليه شبه الإرجاء من منتسبى بعض الحركات الإسلامية الحديثة - وهم من ألحقناهم بالمرجئة لدخولهم تحت عموم القاعدة الإرجائية العَامة من أن الإيمان هو التصديق، وهو جامع الفرقة ككلّ - قوله أنهم يقولون أنه"لا يضر مع الإيمان شرك"فهذا إفتراءٌ على الله وعلى هؤلاء المسلمين. ولو أنهم وافقوا على أن هذه الأعمال شركًا، ما قالوا أنها لا تضر مع الإيمان. لكن الخلاف مع هؤلاء الذين اشتبهت عليهم شبه المرجئة، أنهم صدروا عن مبدأ أن التصديق هو الإيمان، وأن الأعمال ليست منه، فحكموا بصحة إسلام المشرع بغير ما أنزل الله، والمُخَضِّع للناس للعمل بها. وقوله أنّ مرجئة العصر الحديث يقولون"لا يضر مع الإيمان شرك"يقابل بنص قولهم: نحن لا نقول بهذا، بل أنتم تضعون هذه الكلمات في أفواهنا وتقوّلونا ما لم نقل! لذا يجب الإتفاق على تعريف من هو المُشرك، في مقابل من هو المؤمن أولًا، ويجب أن يكون بين صاحبنا وبين هؤلاء إتفاق على مناط المصطلحات، قبل أن يقوّلوا ما لم يقولوا، وتنسب لهم ما ليس فيهم، قال تعالى"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا? كُونُوا? قَوَّ امِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا? اعْدِلُوا? هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"المائدة 8.

إذن الخلاف هو في مبدأ عقدى لم يكفر السلف القائلين به، بل عليه كثير من علماء الأحناف، ثم على تحقيق المَناط الخاص بهذا المبدأ، وهو ما لا يجوز التكفير بسببه.

وقد ضربنا الذكر صفحًا عن تناول بعض تعليقات صاحبنا درءًا للنكرار، وثقة في قدرة القارئ أن يصل إلى الخطأ أو الصواب في كتيّبه من خلال ما قدمنا. كذلك تركنا مهمة الردّ على ما تناوله صاحبنا من نقدٍ لكتابين آخرين، إلى أصحابهما، فهما أدرى بما كتبا، وأخشى أن أقصر في حقهما، لو فعلت ذلك نيابة عنهما.

والله من وراء القصد.

د. طارق عبد الحليم

تورونتو - كندا

26 جمادى الأولى 1432 - 29 أبريل 2011

(3) ولا يغير من ذلك ورود بعض ألفاظ خشنة هي في حقيقتها غضبًا لله عند الانتصار للحق عن بصيرة بإذن الله.

(1) آل عمران 19.

(2) آل عمران:85.

(5) أخرجه الدرامي والحاكم بإسناد موصول صحيح الترغيب والترهيب ص 47 - 48.

(1) أخرجه الإمام أحمد ورواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

(2) حد الإسلام وحقيقة الإيمان ص 101 وأصل الدين ص22.

(2) حد الإسلام وحقيقة الإيمان ص105 وفي أصل الدين ص29.

(1) كتاب التوحيد، الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

(1) كتاب أصل الدين ص 22. الهامش. (في تعديل جديد لما سبق عليه في كتاب حد الإسلام)

(3) أصل الدين لنفس مؤلف حد الإسلام ص 14.

(1) أصل الدين صـ22

(2) أصل الدين، هامش ص23.

(1) يراجع جامع العلوم والحكم شرح الحديث 28.

* لعله من الطريف أن نكتب بحثًا منفردًا في موضوع (من كفر ولم يشعر)

(1) شرح السنة للإمام البغوي جـ1 ص 228.

(1) هذا إذا أحسنا الظن بقائله فقد يقال أنه من قبيل تزوير الحقائق الظّاهرة البيّنة.

(2) يراجع نواقض الإسلام العشرة، مجموعة التوحيد.

(3) يراجع قضية الحكم على الناس بكتاب نظرات في واقع محمد قطب المعاصر.

(1) اللهم إلا إذا كان الحديث عن البدع والمبتدعين كمسألة الصلاة خلف مستور الحال من المسلمين حيث لا يعلم عنه التبس ببدعة حيث أصناف البدع متعددة ولكن إسلامه ثابت بيقين فهو ليس مجهول الإسلام.

(1) فتح المنان وحقيقة الإيمان ص 10.

(2) المصدر السابق ص 89.

(3) السابق الهامش.

(1) السابق ص 75 وما بعدها.

(2) السابق ص 92.

* الجمعة 29 أبريل 2011

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت