فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 31

أين حالة الالتباس هذه من قوله صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) .وقد حف القرآن الكريم بيان الكثير من الصور والتي يكفر بها المرء وإن لم يشعر بكفره * كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) الحجرات:2.وكقوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فهو منهم) المائدة: 51.

وفي ذلك يقول السلف (فليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر) .وكقوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة:66

وأما عن الاستناد في ذلك إلى قول ابن تيميه رحمه الله بأن (عامتهم جهمية ورؤسائهم ملاحدة) فهو كلام يقينًا في غير موضعه وقد كان أولى به أن يضعه عن حكم دور أهل الأهواء حيث الجهمية المعلوم يقينًا أنهم من أهل الفرق المبتدعة والذين كان موقف العلماء منهم متباين فمنهم من كفرهم عالمهم وعوامهم، ومنهم من كفر أئمتهم دون عوامهم، ومنهم من توقف عن تكفيرهم مثل ما ذكر البغوي رحمه الله عن الخطابي حيث قال: (وكان الخطابي لا يكفر أهل الأهواء الذين تؤولوا فأخطئوا) (1)

فالحديث عن دور الردة عن الشرائع شئ والاستدلال بكلمات أهل العلم كابن تيميه وغيره عن أهل الأهواء شيئًا آخر كان يمكن قبوله فقط عند الحديث عن دور أهل الأهواء"اهـ."

قلنا، هذا إستشهادٌ بعمومات الشريعة دون النظر في مدلولاتها، وهو منهج أهل الأهواء مخلوطًا بمنهج الظاهرية في النظر إلى النصوص، دون الجمع بينها، وأصحاب التكفير، كما عرفناهم وجادلناهم في السبعينيات. وهو ما يبين لِمَ إختار هذا النظر في أنواع الناس، فهذا التقسيم يصلح في خطبة بيانية لا في بحثٍ اصوليّ، فنحن نتحدث عن أنواع الناس من حيث هم بين مسلم، وكافر ومنافق، والمسلم أما مطيع أو عاصٍ، والعاصى إما فاسق أو مبتدع، والمبتدع إما ببدع صغيرة أو كبيرة أو مكفّرة. من هنا فإن هذا التمييز العام المحصور الذي يقدمه الرجل لا يخدم إلا العبث في الحكم وتنزيل الناس في غير ما أنزلهم الله. ودار الردة عن الشرائع، هي أقرب لحكم ماردين، إذ من بدّل الشريعة هم طبقة الحكام سواء المدنيين منهم أو العسكريين، ولم تتبدل الشرائع بثورة شعبيةٍ طالبت به، ومع تراكم الباطل عقودًا طُمست بعض مَعالمه، بفعل مكر الليل والنهار من عصبة الشيطان. هذه هي القراءة الصحيحة للواقع، لا ما خلط فيه هذا صاحبنا. وهو ما يجعل نتيجة الشيخ الشاذليّ في غاية الدقة حيث قال بأن دار الردة عن الشرائع الناس فيها مُلتبس عليهم أنفسهم بمعنى أنهم لا يعلمون أن واقعهم واقع رِدة.

يقول:"أما عن قول صاحب الحد عن دار الردة عن الشرائع (أن الكفر فيها باطن) فهو قول ظاهر التناقض."

أولًا: مع الواقع المعاصر لهذا النوع من المجتمعات.

ثانيًا: لما كان عليه السلف وأئمة المسلمين في هذا الشأن.

فأما من ناحية الواقع المعاصر لهذا النوع من المجتمعات والتي يمكن أن توصف بأنها دار ردة عن الشرائع والتي يتم فيها استبدال شرع الله ومناهجه بشرائع صليبية وشيوعية ويتم من خلالها استحلال ما حرم الله وانتهاك محارم الله واستبدال منهاج الله بمناهج شتى تارة شيوعية وتارة اشتراكية وتارة ديمقراطية حيث يكون الشعب هو مصدر السلطات وحكم الشعب بالشعب ولا وجود أو ذكر لسلطان الله تبارك وتعالى بل يتهم من يطالب بتحقيق سلطان الله في الأرض بالرجعية والتخلف والجمود ثم يزاد في ذلك لاتهامه بالإرهاب لينفر من هذا المطلب القاصي والداني بالسليقة ودون حاجة إلى تدريس تفاصيل الموقف لأمة أعرضت عن دينها ورسولها وكتابها بل استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير استبدلت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بشريعة نابليون ومنهاج ماركس ولينين ومن هم على شاكلتهم.

إن القول عن دار الردة عن الشرائع (أن الكفر فيها باطن) وحيث يستحل فيها ما حرم الله وتنتهك حرمات الله جهارًا نهارًا على نحو ما كان عليه قوم نوح وقوم لوط وقوم شعيب وقوم فرعون، لقول صادر عن:

إما ممن هو معزول عن هذا الواقع المعاصر فلا يخالطه (1) في كثير ولا قليل، حيث لحظات قليلة تكفي للوقوف على حقيقة هذه المجتمعات بمجرد السير في بعض طرقاتها وسماع كلمات أهلها وما هم عليه من إعراض ولهو وكفر وجحود وجهل وكما قال الله تعالى عنهم وعن أمثالهم.

وأما .. مناقضة هذا القول - أن الكفر باطن في هذه المجتمعات (أي في دور الردة عن الشرائع) - لما كان عليه أهل العلم والإيمان من السلف الصالح فإنه يتضح إذا علمنا أن أهل العلم متفقون على أن دور الردة أشد من دور الكفر الأصلي من وجوه متعددة وأن من سوغ اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر بل إن هذا من أشهر نواقض الإسلام وكما ذكر ذلك أئمة العلم والهدى (2) وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم - فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب.

ويقول عقب ذلك (فإن المسلم الأصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه كان أسوأ حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعي الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق) .

فإذا كان هذا هو حال الطائفة الممتنعة عن الشرائع في واقعهم وهذا هو البيان الشرعي في حكمهم وحالهم فكيف يقال بعد هذا أن الكفر في هذه المجتمعات باطن (سبحانك هذا بهتان عظيم)

والغريب أن يناقض صاحب الحد نفسه لما قال: (وقد ذكر الفقهاء الدلالة التي يعتبر فيها المجتمع منخلعًا عن الإسلام ويتحول إلى دار كفر بعد أن كان دار إسلام، فأجمعوا على أنها الحكم بغير ما أنزل الله والتحاكم إلى غير شريعته، وارتفاع لواء شرع غير شرعه تجري على أساسه جميع معاملات هذا المجتمع، فهذه دلالة قطعيه على رد هذا المجتمع للشريعة جملة وخروجه عن الإسلام كلية) .

فانظر - رحمك الله - إلى هذه الدلالة التي أجمع أهل العلم على اعتبار المجتمع بها دار كفر وانظر إلى اعتبار صاحب الحد لهذه الدلالة على أن هذه الدور لا يستقر فيها (لا إيمان ولا كفر) وأنه يرى أن الكفر فيها باطن"اهـ."

قلنا: كلام كثير ومحصلةٌ لا تغنى من جوع، كعادة هذه الطبقة من الكتاب. إذ من سوّى عامة المُقيمين في دار الردة عن الشرائع بالمُرتد؟ قلنا، لمن كان له عقل، إن حكمَ الدار"دار ردة عن الشرائع"لا يعنى بالضرورة إنسحاب هذا الوصف على من يقيم فيها، وفرق بين حكم الدار وحكم أهلها، وهو ما لم يميزه الرجل فيما كتب، وهو دين أهل التكفير العشوائيّ. ولهذا قال الشاذليّ أن الكفر باطن، فالظاهر من الكثير من الناس هو إرتكاب معاصى ومحرمات، ومحصلة تكرارها يفيد الإصرار لا الكفر. أما ما أورده الشاذليّ من قول الفقهاء في حكم دار الكفر، فهو صحيح في ذاته، لكن الخلاف في تطبيقه على مصر من الأمصار، وهو الوضع الذي حاوله ولا يزال قادة العلمانية في البلاد، ولكن راينا بعد الثورة الأخيرة أن الناس لن يقبلوا أن يُنحى الشرع عن حياتهم، فيما عُرف بموقعة الصناديق! والذي كان استفتاءًا على المادة الثانية، والتي تمثل لدى العاميّ شرع الله وسطوة الدين، بلا غلبة ولا تمحك، وأن كانت لا تلحق في حقيقة الأمر بالمراد في التطبيق. وهو سبب أن قال الشاذليّ أنّ الكفر باطنٌ أي غير معروفٍ مشتهر أنه كفر.

ثم قوله"أن الأصل في هذه الدور (المرتدة عن الشرائع) صورة دار الكفر وحكم دار الإسلام."

وبالتالي - كما يراه - وجوب الإستبراء للدين والعرض في هذه المجتمعات، وهي مقالة غاية في العجب والغرابة والتخليط للأحكام الشرعية على نحو نخشى - والله أعلم- أن يكون هو مسلك من مسالك أصحاب السبت.

وذلك أن القول بأن أصل هذه الدور صورة دار الكفر وحكم دار إسلام قول لم يسبق إليه أحد من أهل العلم ولذا فنحن نرى أن هذا القول مبتدع كبدعة (حد الإسلام) بل هو أخطر.

ذلك أن تعارض الأصل مع الظاهر أو الظاهر مع الأصل. هو في الأساس الذي بنى عليه صاحب الحد مقالته هذه قاعدة لها ضوابطها ومجال عملها وهو مجال بعيد تمامًا عن موضوع حديثنا عن دار الردة عن الشرائع"اهـ."

قلنا: لا ندرى والله ما يقول صاحبنا! فأولًا، من الذي جعل حدثًا جديدًا على الأرض لا يستدعى إستحداث حكمٍ جديد له؟ ومن الذى زعم أن صور الدور التي تلاها هي الصور الوحيدة التي يمكن أن تقع على وجه الأرض في زمن من الأزمنة؟ مع حرصنا على ما يخرج به مبتدعون كاهل مؤتمر تركيا من أن العالم (فضاء سلام) !! إذ هذا تخريف عامٌ وبدعٌ مركبة. ثم لماذا لم ننعى على بن تيمية ونبدّعه في حكمه على ماردين أنها دارٌ حكمها مركبٌ من الوصفين، دار الحرب ودار الإسلام؟ وهو اقرب ما يكون إلى ما قاله الشاذليّ، وما نراه شخصيًا في هذا الأمر.

ثم يقول:"فصل رابع: وتصديقًا لما سبق تجد أن صاحب الحد يقول عن مجهول الحال في دار الردة عن الشرائع (يستصحب له أصل الإسلام) ."

وهي قولة أخرى تحمل الكثير من الأخطاء الشرعية وهي حلقة أخرى في سلسلة الأخطاء الشرعية الخطيرة التي انتهى إليها صاحب الحد من جراء الاجتهاد المتجرئ على الأحكام الشرعية في حيز كان ينبغي فيها التجرد والالتزام بالأحكام الصريحة بعيدًا عن التصورات الشخصية والمقاييس المادية.

فتجده يستخدم مصطلح (مجهول الحال) عند مناقشة قضية الحكم على الناس في دور الردة عن الشرائع. وقد أخطأ في هذا من وجوه:

الأول: أن الله تعالى قد قسم البشرية إلى قسمين لا ثالث لهما فقال عز من قائل:

(هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) . التغابن:2.

والتعرف على حكمه - مؤمنًا أو كافرًا - من ثلاثة دلالات عن افتقدت أحداهما وجدت الأخرى بحيث لا يبقى أبدًا ما يمكن أن يوصف بأنه مجهول الحال. فنحن نعرف حكمه من: كلماته - أو حاله - أو التبعيه (3)

فمن تكلم بالإسلام فهو المسلم ومن تكلم بالكفر فهو الكافر.

ومن كان حاله حال أهل التوحيد فهو مسلم ومن كان حاله حال أهل الشرك فهو المشرك الكافر.

ومن لم يعلم حاله أو كلماته فحكمه حكم قومه وداره حيث الناس على دين ملوكهم.

لهذا فإنك لا تكاد تجد مصطلح (مجهول الحال) هذا في حديث أهل العلم عن قضايا التوحيد على كثرة ما دون وصنف في هذا المجال. (1) "."

قلنا: إن الرجل يخلط خلطًا عجيبًا، ولا يرى الأمور إلا كما يراها تلميذ لم يبلغ الحُلُم، حيت يختلط عليه مواقف لا يمكنه تتبع تشابكاتها، فلا يرى فيعا إلا أبيض و أسود! من هنا قال إن الناس مسلم أو كافر ولا ثالث لهما، وهو خطلٌ حتى قبل أدنى تحليل، فأين المنافق إذن، وهو قسمٌ ثبت شرعًا بلا شكٌ ولو قرأ هذا الرجل أوائل سورة البقرة، ما جرأ على ما قال، وإنما هو القصد المسبق للوصول إلى نتيجة محددة، نعوذ بالله من الخذلان. أما عن مجهول الحال، فأولًا قد خَرَج أهل الحديث بمصطلح"مجهول الحال"لمجاراة إحتياج ما استحدثوا من الإسناد، فلما لا يجوز أن يستعمل أحدًا مصطلح في باب من أبواب الفقه أو العقيدة، إن إحتيج اليه في واقعٍ متجدد؟ مرة أخرى، أحادية النظر وعمى الألوان الذي لا يرى إلا أبيض وأسود. ثم، من يمكنه القول بأن كلّ من مرّ به من الناس هو مسلمٌ أو كافرٌ، إلا إن عرف عنه أمر يبيّن من هو، لكن الرجل يريد أن يوهم بأنه إن وصلنا إلى نتيجة أن دارًا ما، هي دار ردة عن الشرائع، كان كلّ من سار على أرضها كافر أصالة! وهو نظرٌ خاطئٌ منحرفٌ بدعيٌّ لا يسلم لصاحبه، لا عقلًا ولا شرعًا. فإن الحق الذى لا مراء فيه، أن الشرائع الوَضعية المُختلطة بالشرائع الإسلامية في بلادنا، لم تكن يومًا مقبولة من جمهور الناس، ولا من عوامهم، لم يخالف في ذلك إلا قلة بعينها، صرّحت بالليبرالية أو العلمانية ورفضت حُكم الشريعة عينًا، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم عينًا. لكن مالنا نحكم على كافة من أقام في ربوع مصر بالكفر، ولم يكن له يدٌ قي تبديل شريعة، ولا حرية رأي ولا إنتخابٍ حرٍ، بل هو مجبرٌ على قبول نظام الحكم ومَقموعٌ بكل وسائل القمع؟

أن يكون أمر الإسلام والكفر أمرُ تطبيق أعمى لا يفرق بين أحد، بل يُسْبَغ حكم الكفر عينًا على كل فردٍ لوجوده في بقعة جغرافية معينة كانت دار إسلامٍ اصلًا، ثم أعطيت صفة معنوية، ثم سُحبت هذه الصّفة على كل من فيها، لهو أمرٌ بدعيّ مقزز، يجب أن يُحبس قائله ويُبعد عن الناس حتى يرجع عنه. وجهالة الحال هنا هي ببساطة ودون تفلسفٍ وتعَلقٍ بعُموميات، هي أن مسلمًا يمكن أن يقابل رجلًا في الطريق، فلم يعرف حاله، لأنه لا يعرفه، فهو"بالنسبة له"مجهول الحال، ليس كصفة شرعية، ولكن كحال. وقد يكون حاله، من إسلامٌ أو كفرٌ، معروفٌ لغيره، لكن بالنسبة له فالرجل غير معروف. فإذا مثلا قلنا: لابأس، كيف إذا قلنا أن هذا الرجل المسكين، الذي نُجرى عليه أحكام الإسلام والكفر في غفلة منه، هو"غير معروف الحال"، فهكذا لم نثبت له صفة، إذ إن النفي لا تثبت به صفة؟ ّ! هل هذا مقبولٌ عند الكاتب؟ ثم انظر إلى أي مستوى في الجدل سحبنا هذا الرجل، وهي طبيعة البدعة أينما كانت.

ومن غرائب ما قال في أحدِ هوامشه (2) ،"أنه يمكن ان الصلاة خلف مستور الحال من المسلمين حيث لا يعلم عنه التبس ببدعة حيث أصناف البدع متعددة ولكن إسلامه ثابت بيقين فهو ليس مجهول الإسلام"! وهو عجيب لأن ثبوت إسلام هذا الإمام"مستور الحال"، فإما ثبت برؤيته في المسجد، يهم بالصلاة، فلو ان صاحبنا رآه خارج المسجد بعد لحظات من صلاته، ولم يدركع في المسجد لكان الرجل كافرًا لأنه في دار ردة عن الشرائع! أمر يضحك منه العقلاء، ولا أقول الفقهاء، فهو لا يحتاج لفقه لمعرفة سخفه.

ثم يستمر صاحب هذا الكتيب، في نفس منهجه، من الإستدلال بعمومات الشريعة، دون جمع بين الأدلة، وإعمال النصوص في محلّها، ولا نحتاج إلى مزيدٍ لبيان ما في عذا التحليل من خذلان.

كتاب"فتح المنان في بيان حقيقة الإسلام"

ولننتقل إلى كتابنا الموسوم"فتح المنان في بيان حقيقة الإيمان"، وهو الكتاب الذي أصدرته في عام 1979، ونسبه صاحبنا إلى الشيخ الجليل عبد المجيد الشاذليّ. وهو موجود في موقعنا على رابط http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-3 ، والذى نشرته تحت اسم"عبد الله محمد بن أحمد القنائي"، وهو مركبٌ من اسمى حقيقة، وذلك نظرًا لملاحقتنا أمنيًا أيامها في مصر. لذا فقد بدّلت قوله"قال صاحب الحد"، إلى"قال صاحب الكتاب"، وما ذلك إلا إحقاقًا لحق النسبة أولًا، ولكي لا يَحمِل الشيخ الشاذليّ وِزر خطإ أخطأته دون ذنب منه ثانيًا. كذلك فقد اعتمدت على أحد الطبعات العديدة التالية للطبعة الأولى، والتي نُشرت في مصر، دون علم منى، على مدى الثلاثين عامًا الماضية، وتم تغيير اسم الكتاب من"فتح المنان في بيان حقيقة الإيمان"إلى"حقيقة الإيمان".

قال صاحبنا:"حديثنا عن كتاب (فتح المنان وحقيقة الإيمان) يتناول مسائل أربعة رئيسية:"

الأولى: أن التوحيد هو أصل الدين.

الثانية: أن الإيمان أصل وشعب.

الثالثة: مذهب أهل السنة في الإيمان.

الرابعة: العلاقة بين أهل الإرجاء في القديم وأهل الفرق في الحديث""

وقد سرد ما أوردناه في النقاط الثلاثة الأولى دون إعتراض، بل تفضل عليّ بالثناء فقال في الفصل الثالث:" (وهو كلام طيب موفق بإذن الله تعالى) "

ثم قال في الرابع:

"العلاقة بين أهل الإرجاء في القديم وأهل الفرق في الحديث وحقيقة الفرق بينهما."

وبعد .. أن قام صاحب الكتاب ببيان عقيدة أهل السنة في موضوع الإيمان وأنه قول وعمل ويزيد وينقص، أجرى مقارنة بين معتقد أهل السنة والجماعة، وما عليه أهل الإرجاء من ناحية، وطائفة الخوارج من ناحية أخرى، وتبين من خلالها أن كل منهما على طرف النقيض من الآخر.

وثبت من نصوص كل من الطائفتين والنقولات عنهما أن المعركة بينهما تدور حول طائفة عصاة الموحدين.

فذهبت الخوارج إلى القول بخروج صاحب الكبيرة والمعصية من ملة الإسلام في الوقت الذي انبرت فيه المرجئة للدفاع عن عصاة الموحدين حيث قالوا بأنهم مؤمنين كاملي الإيمان، وحيث الإيمان حسب أصول مذهبهم هو القولفقط دون الأعمال، وبالتالي فالإيمان - على مذهبهم - لا يزيد ولا ينقص فانتهوا من خلال ذلك إلى القول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

إلا أن صاحب الكتاب، ومن خلال سطور كتابه (فتح المنان وحقيقة الإيمان) والذي نحن بصدد مناقشته. حرص على ربط فكر الإرجاء في القديم بما عليه أهل الفرق في الحديث، في محاولة غير موفقة في التسوية بينهما وإخراجهما مخرجًا واحدًا لينتظمهم حكمًا واحدًا.

وقد جانبه التوفيق والصواب في ذلك مجانبة كبيرة تحمل على القول أن صاحب الحد قد وقع فريسة الآفة التي ذكرها في أول حديثه بكتابه وهي الآفة التي عبّر عنها بما نقله عن الإمام ابن تيميه رحمه الله حيث قال:

(أحدهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها) أ. هـ (1)

ذلك .. أن صاحب الكتاب قد قدم نصوصًا خاطئة عن المرجئة خلال رحلتهم في الدفاع عن عصاة الموحدين في مواجهة طائفة الخوارج.

غير أن صاحب الكتاب يصر على إظهارهم وكما لو كان حديثهم يشتمل أيضًا على الدفاع عن طوائف المشركين وليس فقط أصحاب الكبائر والذنوب من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد كان الهدف واضحًا من كلمات صاحب الكتاب - وكما سنبينه بإذن الله - وهو إخراج أهل الفرق في الحديث وإظهارهم وكما لو كانوا من طوائف فرق المرجئة في القديم. والحق أنه شتّان بينهما.

وقد كان بداية خط الانحراف - وبعد إرهاصات متناثرة في صفحات كتابه سبقت -عندما قال:

(والحق في ذلك أن لفظ الاعتقاد إنما هو بمعنى(ما يجب أن يعقد عليه القلب) ، من معان فخرج بذلك منه كل الأعمال سواء الأعمال التركية - أي ترك أعمال الشرك - كالسجود لصنم والدعاء لغير الله دعاء عبادة ومسألة، أو الأعمال الفعلية المشترطة لصحة الإسلام على اختلاف فيها، وصار هو بمعنى قول القلب وعمله) أ. هـ (2) .

وصاحب الكتاب هنا يخرج كل الأعمال من مسمى الاعتقاد بما في ذلك ترك الشرك بالرغم من أن أصل الاعتقاد والتصديق للرسالة في اعقاد بطلان الشرك وتكفير أهله والبراءة منهما"اهـ"

أقول وبالله التوفيق: إن صاحبنا لم يفهم عنا، وله العذر في ذلك لأن الأمر في هذه المسألة جدّ دقيق. فالإعتقاد، ليس قرينًا لحقيقة الشهادتين كما يلمح صاحبنا، وهو يخلط خلطًا شديدًا في هذا الأمر، فقد ذكرنا في النص الذي أورده من كتابنا من أن"لفظ الاعتقاد إنما هو بمعنى (ما يجب أن يعقد عليه القلب) "، وبطبيعة الإصطلاح، والذي يسود لدى العامة بالدلالة الإستعمالية، أن عمل الجوارح لا يدخل في مفهومه. وإنما إنكار الشرك، والعقد على التوحيد، هو من باب أعمال القلوب، ومن هنا يدخل ترك أعمال القلوب الشركية، أما أعمال الشرك بالجوارح فهى في باب الإلتزام.

ذلك أنّ الإيمان، في تصورنا الذي قدمناه في هذا الكتاب، والذي سأعيد صياغته هنا لعلى أعين صاحبنا هنا أن يفهمه، يتكون من ثلاثة مركبات:

1.... المعرفة: وهي معرفة ماهية الدعوة، معرفةً نافية للجهل.

2.... التصديق: بمعنى نسبة الصدق إلى الخبر أو إلى المخبر (إلا عند الأحناف الذين قالوا إنه تصديق مخصوص يتضمن الإلتزام)

وهذان المركبان وحدهما لا يكوّنا إيماناّ إلا عند المرجئة.

3.... الإلتزام: وله مركبان:

وهذا القدر هو الإعتقاد ويشمل ما جاء اعلاه في 1، 2، 3 ia

وهذا القدر هو التوحيد أو أصل الدين أو كلمة السواء أو الإيمان المُجمل (على مصطلح بن تيمية) وحدّ الإسلام (على مصطلح الشاذليّ) ، وهو القدر الذي مات عليه من مات من المسلمين في مكة قبل نزول الشرائع، وما كان عليه ورقة بن نوفل والمتحنفين.

ومن أدخل هذا القدر من العمل في الإيمان المُجمل كان من الخوارج.

وما ألجأنا إلى هذا التفصيل في كتابنا إلا ما رأيناه من خَلطٍ مريعٍ بين هذه المركبات، في مفهوم التوحيد، وفي مفهوم الإعتقاد، وفي الإيمان، ومحل كلّ منها. وقد رأينا الكثير من العامة، بل ومن منتسبى حركاتٍ إسلامية، بل من كتابٍ إسلاميين، من يقرن بين التصديق، والإعتقاد، فيقول (طالما أني مصدق، أي معتقدٍ، ويشير إلى قلبه) ، فأنا موحّد. فهذا يُسقط مركبا كاملا في التوحيد وهو عمل اللسان والجوارح في قدر التوحيد، لا عمل اللسان والجوارح في التزام التنفيذ كما بيّنا.

ولعل هذا القدر من الإيضاح، والذي توخينا فيه التسلسل الهيكلى الواضح، أن يبين الصورة لصاحبنا.

ولا بأس من أن نوضح خطأ صاحبنا مرة أخرى في فهم ما نقل عنا، فقال:"وانتصارًا لمذهبه الجديد يقول صاحب الكتاب في نفس النقل السابق نه وتعليقًا منه على نهاية الفقرة التي يشرح فيها الاعتقاد (عند موضع الـ *) يقول: (والكفر من باب الاعتقاد يكون إما بسقوط قول القلب(أي تصديقه) ويكون من الكذب وهو كفر التكذيب أو بسقوط عمل القلب أي انقياده والتزامه ومحبته، كمن أنزل الله فيهم (لا تعتذروا) الآية .. ) أ. هـ (3) "

والتناقض في هذه العبارة من جانبين:

الأول: أنه جعل عمل القلب متمثل في انقياده والتزامه مع أن عمل القلب معلوم أنه يقصد به النية والإخلاص، قاله سائر أهل العلم ومنهم ابن القيم في كتاب الصلاة وقاله صاحب الكتاب نفسه عند شرحه لعمل القلب ص47 أما الالتزام والانقياد فهو من قول القلب وليس من عمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت