ومقتضى ذلك أن يواجه المسلمون تلك الحضارة بمثل ما واجه المسلمون الأوائل الحضارة الفارسية والبيزنطية وهما في أوج تمكنهما المادي، أي بالقيم الحضارية المواجهة تمامًا للحضارة الجاهلية».
وذكر أنه رغم الفارق الضخم بين قوة المسلمين آنذاك وقوة الجاهلية التي واجهتها إلا أن الإسلام قد انتصر
وقال: «انتصر بحسب السنن الجارية، لا بسنة خارقة، وإن كانت هذه وتلك جميعًا تتم بقدر من الله.
فمن سنن الله الجارية أن ينتفش الباطل في غيبة الحق، فإذا جاء الحق زهق الباطل ...
ومن سنن الله الجارية أن يتدافع الحق والباطل ليتم إنقاذ الأرض من الفساد ...
ومن سنته أن يكون للحق جنود يؤمنون به، لأن الحق المجرد من الجنود لا ينتصر، وأن يكون هؤلاء الجنود مخلصين لله، مترابطين على العقيدة، مؤتلفة قلوبهم عليها ...
وأن يكون هؤلاء الجنود صادقي التوكل على الله ...
وأن يكونوا مجاهدين في سبيل الله، إذا دعت دواعي الجهاد يقاتلون صابرين محتسبين».
ثم قال: «إن من سنته الجارية كذلك أن الباطل المنتفش بقوته المادية -في غيبة الحق- لا أصالة له لأنه باطل، ومع ذلك يمكّن في الأرض فترة من الوقت لحكمة يريدها الله، وبسنة يجريها الله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
فإذا جاء الحق -وهو وحده صاحب الأصالة- وتمت له مقوماته، أي الجنود المؤمنون به، المخلصون في إيمانهم، المجاهدون الصابرون المحتسبون، فإنه ينتصر بما فيه أصالة، ولو كان أقل جنودًا وأقل عدة؛ لأنه يحمل القيم الأصيلة التي كتب الله لها البقاء والصلاحية».
وعن الموقف اليوم قال: «واليوم تقف الجاهلية ... ذات الموقف مرة أخرى، قمة في القوة المادية والتقدم العلمي والمادي والتكنولوجي لم يبلغها أحد من قبل، ولا أصالة، فالأصالة هي الحق» .
واستطرد قائلًا: «ولا ينفي هذا أن يكون لهذه الحضارة المجافية للحق منجزات ضخمة نافعة، كمنجزاتها العلمية والتنظيمية، فهذا من العطاء الرباني المتاح للبشر جميعًا مؤمنهم وكافرهم، وكان للجاهليات التاريخية كلها نصيب منه: {كُلًاّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} .