4)عدم التعرض لكنائسهم ولخمورهم ولخنازيرهم ما لم يُظهروها [39] ، ولكن هذا القول ليس على إطلاقه لأن القول في الكنائس فيه تفصيل؛ فبالنسبة للكنائس الموجودة في الأمصار التي مصروها - أي الكتابيين - ثم فتحت عنوة فإن الصحيح عدم التعرض لها وهذا هو فعل الصحابة والخلفاء بدليل بقاء هذا الكنائس إلى يومنا هذا، وقد حكى ابن قدامة الإجماع على ذلك [40] .
وأما إذا فتحت الأرض صلحًا فبحسب الاتفاق في الصلح.
وأما الأمصار التي مصَّرها المسلمون كالبصرة والكوفة وبغداد فلا يجوز إحداث الكنائس فيها ولو وجدت وأُحدثت وجب هدمها حتى لو اختار الإمام أن يقر أهل الذمة فيها، فلو أقرهم مع الذمة (على أن يحدثوا فيها بِيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرًا أو خنزيرًا أو ناقوسًا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان الشرط والعقد فاسدًا، وهو اتفاق من الأئمة لا يعلم بينهم فيه نزاع) [41] .
وهذه هي فتوى ابن عباس حيث روى عنه عكرمة قال: قال ابن عباس:"أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسًا ولا يشربوا فيه خمرًا ولا يتخذوا فيه خنزيرًا"واحتج بهذا الإمام أحمد [42] ، ويستثنى من هذا ما لو كانت هناك كنيسة قديمة في القرى ودخلت هذه القرى في بناء المصر الجديد كما في كنيسة الروم في بغداد فهذه كانت في قرى أهل الذمة فأقروا عليها. [43]
المطلب الثاني: واجبات أهل الذمة:
يترتب على عقد الذمة مجموعة من الواجبات التي يلتزم بها أهل الذمة ولا يجوز لهم مخالفتها، ولقد جاءت هذه الأحكام مستوفاة مفصلة في الشروط العمرية كما نقلها غير واحد من العلماء ونقلها ابن قيم الجوزية في كتابه النفيس أحكام أهل الذمة، ويمكننا تلخيص هذه الواجبات فيما يلي:
1)دفع الجزية: وهي تجب على كل رجل بالغ عاقل مرة في العام، (ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة) [44] ، (ولا عبد ولا فقير يعجز عنها) [45] ، ويمتهنون عند أخذها لقوله تعالى:"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [46] .
قلت: ولا يعني ذلك الاعتداء عليهم ولا إيذائهم بضرب أو شتيمة، وإنما يراد به أن تكون حالهم وصفتهم عند إعطاء الجزية على وجه يستشعرون به الصغار كأن يجر من يده وأن لا تقبل منهم إذا أرسلوها بل لا بد من أن يأتوا ويقدموها بأنفسهم ويطال وقوفهم مثلًا أو نحو ذلك من الهيئات التي يستشعر بها هذا الهوان، والغاية من هذا تنبيههم بالصغار والهوان الحاصل في الدنيا لكفرهم على الذل والهوان الأعظم الحاصل في الآخرة إذا ما هم ماتوا على هذا الكفر، فهذا الصغار المفروض عليهم في الدنيا هو في حقيقته رحمة بهم.
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مقدار الجزية وهل هي مقدرة بالنص أم عائدة إلى اجتهاد الإمام، فقد حكى ابن رشد عن مالك أن القدر الواجب هو ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهمًا، وقال الشافعي: أقله محدود وهو دينار وأكثره غير محدود بحسب ما يصالحون عليه، وقال غيره كالثوري أنه مصروف إلى اجتهاد الإمام، وقال أبوحنيفة وأصحابه الجزية اثنا عشر درهما وأربعة وعشرون درهما وثمانية وأربعون، فلا ينقص الفقير من اثني عشر درهما ولا يزال الغني على ثمانية وأربعين درهمًا، والوسط أربعة وعشرون، وأما أحمد فقال: