الصفحة 17 من 22

وذلك بدليل النهي العام عن ذلك حيث قال تعالى:"ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" [109] .

ومن أمثلة ذلك معاونتهم على إقامة شعائرهم الدينية وتوصيلهم بالسيارة لذلك وإبداء المشورة في ذلك والسماح لهم بإظهار معالم كفرهم - كالصلبان وغيرها - بين المسلمين، وتوزيع كتبهم ومنشوراتهم وأشرطتهم أو دعوتهم لإلقاء محاضرات عن دينهم وإرشادهم إلى أماكن المجون والفجور والخمور، أو تمكينهم من أي وضع يفتنون به عامة المسلمين في دينهم وغير ذلك مما يصعب حصره.

11)لا يستخدم الذمي في شيء من ولايات المسلمين ولا يؤخذ بأقوال أهل الكتاب في الأمور الدينية: فقد نهى عمر رضي الله عنه عن استخدام أهل الذمة في ولايات وأمور المسلمين العامة [110] ، وهذا متفرع على عدم توليهم من جهة وعلى عدم تمكينهم من غش المسلمين لأنهم غير مؤتمنين على الدين.

فعلى سبيل المثال لا يترخص المريض مثلًا في شيء من الرخص الدينية - كالإفطار أو التيمم أو عدم القيام في الصلاة - لمجرد رأي طبيب من أهل الكتاب إذا وُجد الطبيب المسلم الحاذق في مهنته، لأن أهل الكتاب لا يؤتمنون على الدين، وهم ليسوا بعدول، وقد اشترط الله تعالى العدالة في الشهود وفيمن يؤخذ برأيهم وأقوالهم في أمور الدين بدليل قوله تعالى:"يحكم به ذوا عدلٍ منكم" [111] ، أما إذا عدم الطبيب المسلم الحاذق وخشي المريض على نفسه الضرر فيعمل برأي الأمثل (أي أقرب أهل المهنة إلى الصدق والعدل لتعذر غيره) وعليه أن يحتاط لدينه قدر الإمكان ويستشير أهل العلم والله تعالى أعلم.

وبعد، فهذه طائفة من أحكام التعامل مع الذميين ولم أستوفها في الحقيقة إذ لا يزال هناك كلام في التوارث وحقوق الزوجين ومسائل آثرت الاكتفاء بما تقدم منها خشية الإطالة.

وأنبه على أن إن المسلم قد يستثقل بعض ما ذكرت، ولكن لو تذكر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز وجل قال: قال الله:"كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفئًا أحد" [112] .

ثم لو سأل أحدنا نفسه: لو أن أحدًا شتمك أو شتم والديك فهل كنت تتحفظ في شيء من هذه الضوابط لحظةً واحدة؟

فلا يكن حظ الله تعالى منك ومن نفسك أقل من حظ نفسك وأمك وأبيك، والإسلام لا يدعونا لظلم أحد ولا الجور على أحد، وإنما هي المعاملة بالمثل وتقديم حق الله على حظ النفس والهوى، فتأمل.

34)سورة التوبة: 29

35)سورة التوبة: 28

36)صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب إجلاء اليهود من الحجاز - حديث1767

37)أحكام أهل الذمة - ابن قيم الجوزية - 141 إلى 152

38)المغني - ابن قدامة: 828:829/ 12

39)الفقه الإسلامي وأدلته - الزحيلي: 5889

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت