ج: الأسانيد في ذلك ليست بذاك القوية لأن في بعضها عيسى بن أبي عمران وفي بعضها أيوب بن سويد ولكن الأسانيد في الحكايات والقصص لا تعتمد على الأسانيد في تصحيح الأحاديث أو الأخبار المروية عن الصحابة رضي الله عنهم هذه قصة تاريخية ولا يزال الأئمة في تعاملهم ومنهجهم يتسامحون ويتساهلون في هذا الباب وتارة الحكاية والنقل المعروف عن أئمة هذا الشأن يغني عن صحة الإسناد كما أشار إلى ذلك بن عبد البر وغيره فهذه الحكاية ذكرها الإمام الدارمي في رده على الجهمية وليس بين الإمام الدارمي وبين خالد القسري الجعدي سوى ثلاثين عامًا ومع هذا يحكي عن الأئمة ويحكي عن مشايخ وعن علماء في هذا الباب فهذه القصة مشهورة وفي نفس الوقت ليس الاعتماد في هذا الباب على هذه القصة فإن الإمام مالك مثلًا يرى قتل المبتدع الداعي إلى بدعته، وطائفة من العلماء لا يرون هذا وأنه يحبس ويعزر كصنيع عمر في صبيغ الصواب في هذا الباب أنه إذا وجد مبتدع يدعو إلى بدعته أنه يعزر بما يراه أهل الحل والعقل الذين لا يخالطهم الهوى في هذا الباب بما يرونه رادعا له ولغيره سواء كان بحبس وسجن أو بقتله وقد يحضر هذا الباب في هذا العصر لأن الأهواء تتلاعب وقد يسجن العلماء الصادقون تحت غطاء بأن هؤلاء يثيرون الفتن لكن لو وجد حاكم مسلم مطبق لشرع الله وعنده علماء يقولون الحق حيثما توجهت ركائبهم لا يخافون في الله لومة لائم ويتفقون على أن هذا مبتدع ويدعو إلى بدعته ويثير الفتن وأنه استتيب فلم يُفِد ورُد عليه فلم ينتصح ومُنع فأبى أنه قد يكون الحد في هذا الباب أن يقتل مراعاة للمصلحة ودرأ للمفسدة فإذن هذا الباب تراعى فيه المصالح والمفاسد أما إذا كان الحاكم ظالمًا ومنحرفًا أو جائرًا أو أن العلماء يفتون بما يقول لهم السلطان وفتوى حسب الطلب فيجب إغلاق هذا الباب نهائيًا ولاسيما نحن نعرف أن في القرن الثالث والرابع عشرات بل مئات من البدع والدعاة إلى البدع ولم يكن أئمة السلف يذهبون إلى قتلهم كشبابة بن سوار، الأئمة الستة يخرجون له وهو أحد الدعاة إلى مذاهب أهل البدع، أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، كذلك ينبغي التفريق أولا بين مبتدع داع و مبتدع داع أخر.
الأمر الثاني: يختلف من مبتدع يريد التشويش وليس عنده علم وبين مبتدع عنده علم وعنده تقوى وورع ولكن هذا اجتهاده في هذه المسألة فهذا لا يجوز الاعتداء عليه بخلاف الأول.
الأمر الثالث: التفريق بين حاكم يريد أن يقتله لأمور سياسية أو لأن هذا مثلًا لا يرتضي سياسته فيريد أن يقتله بسيف الإسلام ينبغي أن نمنعه من هذا الباب، وبين حاكم مسلم مطبق لشرع الله عنده علماء يفتونه في هذا الباب إذن هذا الباب يحتاج إلى ضوابط وقيود ولكن الجعد بن درهم لم يكن من العلماء أصلا وليس من الفقهاء وليس من أهل العلم ومن أهل التقوى ومن أهل الورع هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: أنه يدعو إلى نقض الإجماع القطعي لأنه يقول إن الله لم يتكلم وهذا مناقض للأدلة القطعية من الكتاب ومن السنة وهو في الحقيقة يناقض الاجماعات القطعية التي يعلمها صبيان أهل التوحيد.
الأمر الثالث: سواء قتل بسيف السياسة كما يقال أو قتل بسيف الإسلام فنحن لا ندخل في النيات كنية القسري، نعم من هو القسري ومعروف سياسة القسري! وليس هذا تزكية للقسري ولكنه في الحقيقة إن كانت القصة ثابتة قد أصاب في هذا الباب لأن الجعد بن درهم خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والأئمة المتبوعين ودعا إلى بدعة وليس من أهل العلم الذين يمكن أن يلتمس لهم العذر في هذا الباب أما لو كان من أهل العلم ومن أهل التقوى ومن أهل الورع قد يلتمس له الباب في بعض المسائل وإذا أصر بعد ذلك قد يلجأ إلى سجنه دون قتله وعلى كل الضابط في هذا الباب مراعاة المصالح ودرء المفاسد وعدم فتح الباب للحكام الظلمة في هذا الباب.
والله أعلم نكتفي بهذا وصلى الله على نبينا محمد.