يتسنى لي قبل أن أختم هذه الرسالة، أن أقف وقفات في عجالة، من باب النصح والإرشاد، لأهل الحق والرشاد، فأقول:
الوقفة الأولى: ترجيل الشعر:
رأيت بعض الشباب الأفاضل يطيل شعر رأسه ولا يرجله، فقلت له في ذلك، فقال:"إن توفير الشعر سنة"، فقلت:"وترجيل الشعر سنة!". عن جابر رضي الله عنهما قال:"أتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرأى رجلًا ثائر الرأس. فقال: أما يجدُ هذا ما يُسكن به شعره؟!" [أخرجه أبو داود والنسائي] .
وأخرج أبو داود بسند حسن -كما قال الحافظ ابن حجر- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"من كان له شعر فليكرمه". وفي رواية عند أبي داود عن أبي هريرة، والبيهقي عن عائشة:"إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه". وفي رواية عند النسائي عن أبي قتادة:"أكرم شعرك وأحسن إليه". وفي رواية عند الطبراني عن جابر:"إن اتخذت شعرًا فأكرمه". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وله شاهد من حديث عائشة في (الغيلانيات) وسنده حسن أيضًا".اهـ [انظر: فتح الباري 10/ 452] .
وقد مر معنا حديث أبي قتادة رضي الله عنه الذي أخرجه النسائي:"أنه كانت له جمة ضخمة، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره أن يحسن إليها".اهـ. قال الإمام المناوي رحمه الله:"حديث أبي قتادة محمول على أنه كان محتاجًا للترجيل كل يوم، لغزارة شعره".اهـ [فيض القدير 6/ 311 - 312] . وعن زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد، فدخل رجلٌ ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟!". [1] [رواه مالك] . قال الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني:" (كأنه شيطان) في قبح المنظر على عرف العرب في تشبيه القبيح بالشيطان وإن كان لا يرى لما أوقع الله في نفوسهم من كراهة طلعته، ومنه قوله تعالى: (طلعُهَا كأنَّهُ رُءُوسُ الشياطين) ".اهـ [شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك 4/ 453] .
وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يُعجبهُ التيمُّن ما استطاعَ في ترَجُّلهِ ووُضوئه. قال الإمام ابن بطال رحمه الله:"الترجيل تسريح شعر الرأس واللحية ودهنه، وهو من النظافة وقد ندب الشرع إليها".اهـ [فتح الباري 10/ 452] .
الوقفة الثانية: ستر الشعر:
(1) قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله:"لا خلاف عن مالك في إرساله، وجاء موصولًا بمعناه عن جابر وغيره".اهـ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وفي الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلًا ثائر الرأس واللحية فأشار إليه بإصلاح رأسه ولحيته، وهو مرسل صحيح السند وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن".اهـ