ومن الناس من يرى أن للمسألة بعدًا يتفق مع الزهد والإعراض عن الدنيا حيث يتفق العلماء قاطبة على أن الزهد والإعراض عن الدنيا هو مسلك السلف وهو الصواب لأنه هو هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم تريد زينة الحياة الدنيا ورزق ربك خير وأبقى ، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا أكثر من أن تحصى في هذه العجالة، ومنهم من يرى أن المسألة مسألة عزة وأنفة وشموخ وإباء.
ثالثًا: الأصل في بحث المسألة أن تبحث من جانب الحل والحرمة لا من جانب هل يجب أو لا يجب، أو الأولى من عدمه.
رابعًا: لايخلوا المال الذي يأتيه من السلطان من حالين:
الحالة الأولى: أن يأتيه من غير مسألة، ويعلم أن قلبه لم ولن يركن إلى ما يراد من وراء هذا المال، من سكوت على الباطل وأهله، ولم تتشرف نفسه إليه بل يرى أن هذا المال رزق من الله ساقه إليه وبلغة تعينه على ما يصيبه من نوائب الدهر، ولم يأخذ إلا الكفاف ليعطي كل ذي حق حقه، ففي مثل هذه الحالة لا شك في جواز ذلك حيث الدليل قائم على حل هذا، فعند الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عطاء السلطان فقال"ما آتاك الله منه من غير مسألة ولا إشراف فخذه وتموله".
وبوب البخاري رحمه الله بابًا فقال: (باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس) حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن الزهري عن سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت عمر رضي الله عنه يقول:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني فقال خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك".
وبوب النووي على صحيح مسلم بابًا فقال: (باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف) حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبد الله بن وهب ... عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك".