الصفحة 12 من 13

فصل

في العمل بعد عصر الرسول والخلفاء والصحابة

أما فيما يتعلق بعمل أهل المدينة المقبول بعد عصر الرسول والخلفاء والصحابة وكذلك عمل بقية الأمصار فالعمل نوعان: نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر غيره وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة قال ابن القيم: فإن سويتم بين أقسام هذا العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرق النص والعقل بينها وإن فرقتم بينها فلابد من دليل فارق بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر ولا تذكرون دليلا قط إلا كان دليل من قدم النص أقوى وكان به أسعد.

ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق ولم تكن الرعية تخالف هؤلاء فإذا أفتى المفتون نفذه الوالي وعمل به المحتسب وصار عملا فهذا هو الذي لا يلتفت إليه في مخالفة السنن , لا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة فلا يخلط أحدهما بالآخر قال ابن القيم: فنحن لهذا العمل أشد تحكيما وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركا وبالله التوفيق.

وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفذ فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا كما يطرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه ولا يجوزن العمل هناك بقول غيره من أئمة الإسلام فلو عمل به أحد لاشتد نكيرهم عليه وكذلك كل بلد أو إقليم لم يظهر فيه إلا مذهب أبي حنيفة فإن العمل المستمر عندهم على قوله وكل طائفة اطرد عندهم عمل من وصل إليهم قوله ومذهبه ولم يألفوا غيره ولا فرق في هذا العمل بين بلد وبلد والعمل الصحيح ما وافق السنة. وإذا أردت وضوح ذلك بأمثلة فهي كالتالي:

1 -فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة به ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ولا تعوذ.

2 -وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد ولا يخالفه في ذلك صحابي ثم العمل به في زمن التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيب يعمل به ويفتي به ولا ينكره عليه ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك.

3 -وانظر إلى العمل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة خلفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حصبه وهو عمل كان رأي عين وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم ثم صار العمل بخلافه.

4 -وانظر إلى العمل الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء سهيل وأخيه في المسجد والصحابة معه وصلّت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد وصُلي على عمر بن الخطاب في المسجد ذكره مالك عن نافع عن عبد الله قال الشافعي ولا نرى أحدا من الصحابة حضر موته فتخلف عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت