فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 349

الحديث عن هذا العامل المهم من عوامل الثبات في مواجهة الابتلاء يحتاج إلى الإطالة فيه، وما ذلك إلا لأهمية إدراك واستشعار وتذكر وتصور هذه الحقيقة، وهي أن الابتلاء سنةٌ ماضية جارية على من مضى، وعلى من سيأتي وهذا هو قدر الله وحكمته.

قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (3) سورة العنكبوت، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214) سورة البقرة، وقد مر معنا حديث خباب - رضي الله عنهم - وفيه (أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبره بالبلاء الذي كان ينزل في الأمم السابقة، وعلى هذا المعنى يدل أيضًا حديث أبي سفيان مع هرقل، وفيه أن هرقل قال له:(سألتك كيف كان قتالكم إياه، فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) .

وعلى هذا فإن سنة الابتلاء في الدعوات ماضيةٌ لا مفر منها، ولا يمكن اتقاؤها، فسفينة الدعوة لا

بد أن تعبر قنطرة الابتلاء، ومن ظن أنه بذكائه، ودهائه، وحنكته، وحكمته يستطيع أن يجنب قافلة الدعوة من دخول نفق الابتلاء فقد أخطأ الظن، وضل المسير، لأن هذا هو قدر الله الماضي، وهذه هي سنته في الأولين كما دلت الأدلة السابقة، وهذه هي سنة الله وقدره في حتمية تعرض الدعوة والدعاة والمصلحين إلى الأذى والحرب من أهل الباطل.

إنه الصراع بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، الذي أخبرنا عنه الله في غير موضع من كتابه، قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} (4) سورة محمد، إذًا كلا الفريقين إنما هو ابتلاء للآخر (ولاختلاف التصور والنظرة بين المؤمن والكافر، ثم اختلاف المنهج والطريق، صارت الحياة صراعًا بين هذين المنهجين فيبتلى هذا بهذا وهذا بهذا) فالمؤمنون يبتلون بالكفار، والكفار يبتلون بالمؤمنين، وهذا النوع من الابتلاء وهو (ابتلاء العباد بعضهم ببعض) هو أيضًا قاسم ٌ مشترك بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} (4) سورة محمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت