في تحليل كل أثر يمر به وكل ظاهرة يشاهدها، فانظر إلى النفر من قبيلة جرهم كما في الصحيحين لما مروا بجانب بئر زمزم وهم لم يكونوا يعلموا أن في مثل هذا المكان ماء رأوا طائرًا عائفًا يدور في السماء فقالوا ما يدور هذه إلا على ماء وعهدنا بهذا الوادي ليس فيه ماء، فاقتربوا فوجدوا هاجر وابنها عليه السلام على بئر زمزم، فانظر كيف يتوصل المرء النبيه إلى ما يريد بتحليل الظواهر المحيطة به فكن على نباهة وتعود تحليل كل ما يحيط بك واربط كل معلوماتك بعضها ببعض لتخرج بفائدة من كل شيء وما العلم إلا بالتعلم والله الموفق.
4 -لا بد أن يحرص المجاهدون على تصفية صفوفهم، فالجاسوس الذي رافق المجاهدين كاد بتصحيحه لرماية العدو أن يودي بحياة الجميع بعدما دل الروس على مواقعنا في السابق وتسبب في قتل عدد منا، وحينما علم المجاهدون به وأقر بجريمته قتل، وقتل الجاسوس الحربي جائز بالإجماع وإذا كان الجاسوس ذميًا أو معاهدًا فالجمهور على جواز قتله وإذا كان الجاسوس مسلمًا فقال مالك والقاضي عياض بقتله والجمهور على تعزيره ويقول ابن القيم في الطرق الحكمية 117"هل يجوز أن يبلغ التعزير القتل؟ فيه قولان أحدهما يجوز كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل"وقال في زاد المعاد 3/ 423"والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم"، والمسألة فيها تفصيل يطول وتفريق بين الجاسوس الحربي والجاسوس الذمي والجاسوس المسلم والراجح في كل هؤلاء هو أن يرجع الحكم فيهم إلى الأمير يفعل بهم ما تمليه المصلحة وهو أنفع للمجاهدين وحكمه كالأسير، وهؤلاء الجواسيس لا بد ألا يغتر أحد بمظاهرهم فقد أرسلت قبل ذلك الاستخبارات الروسية عددًا من جواسيسها يبلغون أكثر من خمسة وثلاثين شخصًا دفعة واحدة وقد كان عدد كبير منهم يصوم النهار ويقوم الليل يحقر أحدنا عمله إلى أعمالهم، إلا أن الله حفظ المجاهدين منهم وتم كشف أمرهم رحمة فأعدموا جميعًا، فمتابعة الصف وتصفيته أمر مهم يلقى على كاهل القادة لحفظ أرواح المجاهدين، وهذا الجاسوس الذي أصدر القادة الأمر بقتله قتل لسببين الأول: لأنه جاسوس وقتله جائز إن كان في ذلك مصلحة متحققة يراها القادة، والسبب الثاني لقتله: وهو الأهم لأنه شريك بالقتل فهو مشترك بالجناية التي راح ضحيتها عدد من المجاهدين بسبب القصف الروسي الذي يتم تصحيحه عن طريق هذا الجاسوس فجاء قتله لاشتراكه في قتل المجاهدين والله أعلم.