المسألة الثانية: الخلط في الاستدلال بالنصوص، ونسبة أشياء إلى الأئمة دون تحرير:
قال حلبيّ:"أقولُ: أما الحديث النبويّ المخصِّص للآية الكريمة فهو ما رواه البيهقي في (( سننه ) ) (4/ 316) ، والطحاوي في (( مشكل الآثار ) ) (4/ 20) ، والذهبي في (( سير أعلام النبلاء ) ) (15/ 81) كلّهم من طريق سفيان بن عُيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، قال: قال حذيفة لعبدالله [يعني: ابن مسعود] : عكوفٌ بين دارك، ودار أبي موسى لا يضرُّ!؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) )!"
فقال عبدالله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا!!
قال الحافظ الذهبي بعد روايته الحديث: صحيحٌ غريبٌ عال. [قال حلبي في الحاشية: وهو في ذلك مثل الحديث الذي رواه الستة عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: (( إنما الأعمال بالنيات ... ) )فهو صحيحٌ لا مطعن في إسناده، غريبٌ لم يثبت إلا من طريق عمر بن الخطاب، وهذا الحديث يزيد عليه بأنه عال، أما ذاك فليس كذلك، إذ يرويه عددٌ من التابعين بعضهم عن بعض، بخلاف هذا الحديث] .
قلت - أي حلبي: وإسناده على شرط البخاري.
وقد عمل بعض السلف بهذا الحديث، فقد روى ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) ) (3/ 91) ، وابن حزم (5/ 194) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبيّ. [قال حلبي في الحاشية: وإن تعجب فعجب قول الإمام النووي - رحمه الله - في (( المجموع ) ) (6/ 483) : (( وما أظن أن هذا يصح عنه ) )! قلت: الظنُّ لا يغني من الحقّ شيئًا، فقد صحّ، ولله الحمد. وقال أبو زرعة العراقي في (( طرح التثريب ) ) (4/ 171) عن أثر سعيد هذا: (( وهو بمعنى الذي قبله ) ). قلت: يريد أن المساجد الثلاثة هي مساجد أنبياء] .
وروى عبدالرزاق في (( مصنفه ) ) (8019) عن عطاء بسند صحيح قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.
قلت - أي حلبي: وهو لا يخرج عن معنى ما أوردته قبلُ، وقد قال ابن حزم (5/ 194) : وقد صحَّ عن عطاء أن الجوار هو الاعتكاف.