لكن ليس غرضه نفس الفعل، بل دفع الضرر عن نفسه فهو مختار من وجه، غير مختار من وجه آخر. لهذا اختلف فيه هل هو مكلف أم لا [و فيه تفصيل:
ـ فإن كان الضرر الذي يراد فعله غير فوري أو أنه ظني غير متيقن وقوعه بأن يكون فاعله أي المكرِه - بكسر الراء- غير قادر أصلا على إيقاعه .. و ما إلى ذلك .. فهذا ليس بإكراه و صاحبه مكلّف بالامتناع عنه و قادر على ذلك و يأثم إن لم يمتنع ..
ـ أما إن اجتمعت شروط صحة الإكراه فعند ذلك تنتفي المؤاخذة ..
وشروط صحة الإكراه كما ذكرها العلماء:
1 -أن يكون فاعله (المكرِه) قادرا على إيقاع ما يهدد به، و المأمور به (المكرَه) عاجز عن الدفع و لو بالفرار.
2 -أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
3 -أن يكون ما هدد به فوريا، فلو قال: (إن لم تفعل كذا ضربتك غدا) لا يعد مكرها، و يستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف وعيده.
4 -أن لا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه، كأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء .. كمن أكره على الزنا فأولج، و أمكنه أن ينزع و يقول: أنزلت، فيتمادى حتى ينزل.
*فائدة: حد ما يُهَدّد به المكرَه:
قال الحافظ: (اتفقوا على القتل - و إتلاف العضو - و الضرب الشديد - و الحبس الطويل و اختلفوا في يسير الضرب و الحبس كيوم أو يومين)
و ذكر الحافظ أيضا في الفتح من طريق شريح عن ابن عمر _ أربع كلهن كره: السجن و الضرب الوعيد و القيد)
والظاهر أن اختلافهم في حدّ ما يُهدَّد به المكره لصحة إكراهه؛ تابع لنوع الأمر الذي يكره عليه؛ فقد فرّقوا في ذلك بين الإكراه على الكفر وقتل النفس المعصومة؛ فشددوا فيهما، وتساهلوا فيما هو دونهما ..