الصفحة 3 من 3

وفي رواية: أن أبا هريرة رضي الله عنه رأى امرأة متطيبة تريد المسجد فقال لها: عليك السلام، فقالت: وعليك، قال: فأين تريدين؟، قالت: المسجد، قال: ولأي شيءٍ تطيبتِ بهذا الطيب؟ قالت: للمسجد، قال: آلله؟، قالت: آلله، قال: فإن حُبي أبا القاسم أخبرني أنه: (( لا تُقبل لامرأة صلاة تطيبت بطيب لغير زوجها، حتى تغتسل منه غسلها من الجنابة ) )، فاذهبي فاغتسلي منه، ثم ارجعي فصلي. [رواه البيهقي بهذا اللفظ وله طرقٌ أخرى لغيره] .

ففي هذه الأحاديث دِلالةٌ قاطعة على تحريم خروج المرأة من بيتها متعطرة سواءٌ قصدت بذلك التعرض للرجال أم لم تقصد.

وقد استدل بعض أهل الفتنة على جواز خروج المرأة متعطرة إذا لم تقصد بتعطرها فتنة الرجال، فقالوا بأن اللام في الحديث هي"لام التعليل"، أي إن كانت نيتها أن يشم الرجال ريحها فهي آثمة، وإلا فلا! وهذا القول غيرُ مستقيم، وباطل، فإن اللامُ هنا ليست لام التعليل، إنما هي"لام العاقبة"، لأنّها كاللام في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنا} [القصص: 8] ، فالتقاط فرعون موسى عليه الصلاة والسلام كان عاقبة له.

وهناك رواية أخرى للحديث رواها الإمام الدارمي تقويّ ما ذهبنا إليه، فإن الرواية تقول (( ... فيوجد ريحها ... ) )، فهذه الرواية تدل بشكٍل قاطع على تحريم خروج المرأة من بيتها متعطرة، سواءٌ بنية التعرض للرجال أم بغير نية لأن الحديث يقول (( فيوجد ريحها ) )، وهذا الوجدان يحصل بقصد أو بغير قصد.

كما استدل أصحاب هذا النهج الباطل بما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك المطيب للإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا ) ) [رواه الإمام أبو داود] .

أقول والاستدلال بهذا الأثر عن أم المؤمنين باطلٌ أيضًا، لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكنَّ يُخالطن الرجال أثناء الحج، بل كنَّ يطُفنَ في معزلٍ عن الرجال، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (أن عائشة رضي الله عنها، كانت تطوف حِجرةً -أي بمعزل- من الرجال لا تخالطهم) ، لذا فلا يضرّها رضي الله عنها إن تطيبت.

ثم أقول: لعل المقصود بالطيب هنا طيب النساء الذي ليس له رائحة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( طيبُ الرجال ما ظهر ريحه وخفيَ لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفيَ ريحه ) ) [رواه الترمذي والنسائي] . وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم.

وهناك تفسيرٌ آخر لبعض أهل العلم، بأن الحديث يدل على جواز التطيب في الحج فقط وليس في سائر الأوقات، لأنه كما خُص في الحج عدم جواز لبس المرأة النقاب والقفازين، فلعلّه رخُص لهنَّ التطيب في الحج فقط، لأنه مكانُ مأمون من الفتنة ...

والله تعالى أعلم

[بقلم؛ بلال الزهري / عن مجلة نداء الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت