لقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم ان الأمر الذي اسند إليه أمر في غاية الصعوبة، وأدرك صلى الله عليه وسلم أن أمامه من العقبات والصعاب ما لا يعلمه إلا الله ولكنه مع ذلك كله مضى في أمره مستعينًا بالله.
وقد لاقى الرسول صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش الأذى الكثير، فهذا يطرح عليه سلا الجزور وهو ساجد لربه، وذاك يهمزه ويلمزه، وثالث يمسك بتلابيبه، وقد حدث هذا كله للنبي صلى الله عليه وسلم مع ما يتمتع به من منعة أبي طالب الذي كان سيدًا من سادات قريش، ولنلق نظرة على ما ناله أصحابه صلى الله عليه وسلم من تنكيل وتعذيب، وما كان ذنبهم إلا أن قالوا ربنا الله.
فهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه، وقد كان من انعم الناس، لما سمعت أمه بإسلامه منعت النفقة عليه وأخرجته من بيته وما رده ذلك عن دينه.
وهذا بلال رضي الله عنه يُسلمه أمية بن خلف إلى الصبيان يلعبون به في أنحاء مكة ثم يطرحه في وقت الظهيرة، ويضع على صدره صخرة كبيرة، وما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا وما كان شعاره يومها سوى؛"أحد .. أحد ..".
وغيرهم من الصحابة كثير تعرضوا للابتلاء؛ كعمار بن ياسر وخباب بن الأرت وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين.
لقد تربى هؤلاء الرجال في أتون المحنة وخرجوا من رحمها رجالًا، هؤلاء الرجال الذين أختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وكان لابد أن يختبروا ويمحصوا لأنهم سوف يقومون بحمل هذه الأمانة العظيمة، فهم الرعيل الأول وعليهم ستدور رحى المعركة.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعد المؤمنين في بداية الدعوة بأن لهم الأجر في الآخرة، ولم يكن يعدهم بأنهم سينتصرون على قريش ويقتصون من كل من آذاهم، وهذا كان واضحًا في القرآن المكي، فلا يستطيع أن يصبر على هذا الأذى إلا من كان يرجو الآخرة وليس لديه أية مطامع دنيوية، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خاض بهم المعارك حتى من الله عليه بإقامة دولة الإسلام وفتح مكة.
ولو نظرنا إلى ما تمر أمتنا الإسلامية في هذه الفترة لوجدنا نفس الأسلوب في حرب أولياء الله، فإن كان في زمن الأنبياء طغاة متجبرون ففي زمنا هذا من هو أطغى، وإن كان اتباع الأنبياء قد عُذبوا وقُتلوا في سبيل دينهم، فإن أبناء الإسلام اليوم يسامون سوء العذاب فيوضعون في السجون ويفتنون عن دينهم وتنتهك أعراضهم وما ذنبهم إلا أنهم قالوا ربنا الله.