الصفحة 89 من 99

ففقه المرء للقرآن يُعرف حين تظهر آثار هذا القرآن على نفس الإنسان وعلى خُلقه وعلى سلوكه كما هو شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كما وصفته عائشة رضي الله عنها: «كان خُلقه القرآن» . وكلّما ازداد المرء تذوّقًا لهذا الكلام الحسن كلّما ازداد قربًا من عبوديّته لهذا المتكلّم الجليل.

وهناك فرق بين التذوّق الفطري وهو المقصود به في القسم الأوّل وبين هذا التذوّق، وهو القائم على الأصول والقواعد والفهم والفقه، فالأوّل في داخل كلّ إنسان وهو يقع عن طريق الفطرة وإحساس المرء بإنسانيّته، أمّا هذا فهو لا يقع إلاّ بالفقه والتبصّر والإدراك والنظر المتوالي مرّة بعد مرّة في داخل كلام الله تعالى حتّى تعلم ما يريد، وتفقه على الله تعالى خطابه فتخرج منه باللآلي والدرر ومعالي العلوم والمعارف، ولهذا التذوّق أدوات أعظمها هو فقه اللغة التي نزل بها كلام الله تعالى ومعرفة الأصول والإحاطة بالسنن الشارحة لهذا الكلام.

فهذان أمران أخي المسلم كُنْ على ذكرهما وأنت تقرأ كلام الربّ العظيم، أمّا الأمر الأوّل:

فهو الذي يكشف لك ربوبيّة المتكلّم، وهو أمر تحسّ به ضرورة شئت أم أبيت، أمّا الثاني: فهو الذي يجعلك متألّهًا لهذا الإله العظيم.

قال تعالى: {الله نزّل أحسن الحديث} .

قال النابغة الجعديّ:

أتينا رسول الله إذ جاءه بالهدى ويتلو كتابًا كالمجرّة نيرًا

بلغنا السماء بجدّنا وجدودنا ... وإنّا لنرجوا فوق ذلك مظهرًا

قلت: وقد أُلقِيت هذه القصيدة التي فيها هذين البيتين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لم يصحّ. [أنظر ترجمته في السير وتعليق مخرج الحديث عليه 3/ 177] .

والحمد لله ربّ العالمين

[عن مجلة نداء الإسلام]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت