وبطريقة خبيثة مكينة أخذوا في ضرب آياته بعضها ببعض، فيردّون المحكم فيه بالمتشابه فيه، وهم يقولون: نحن لسنا كأولئك - من تقدّم وصفهم بأنّهم لا يسمعونه - بل نحن سمعناه وفهمناه وجلسنا نحاوره فهذا هو الذي خرج معنا، ولذلك أرسلهم الله تعالى، ومدّ لهم في طغيانهم بقوله جلّ سبحانه: {إعملوا ما شئتم} ، ولم يجبهم على صنيعهم إلا بقوله: {أفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي يوم القيامة .. } .
وهذا الصنف - صنف الزنادقة - على طبقات، فمنهم الباطنيّة الغلاة، يزعمون أنّهم مع القرآن ولا يخالفونه، فهم مع ظاهره العربي، وفي الباطن يحملون آياته على التأويل الباطل، وعلى التحريف الذي لا يلتقي مع اللسان العربي في شيء، ومن هؤلاء قديمًا الإسماعيليّة والقرامطة والدروز والنصيريّة، ومن المعاصرين طوائف تنتسب لهذه الطوائف المتقدّمة، وكذلك زنادقة الأدب الذين يزعمون الحداثة أو ما بعد الحداثة كأدونيس النصيري - حامل لواء الزندقة الأدبيّة في هذا العصر -
ومنهم من هو على شاكلتهم ولكنّهم لا يظهرون ما يظهر الأوائل، فإنّ الأوائل في زمزمتهم الداخلية لا ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، وأمّا هذا الصنف فهو يأتي من باب الحرص على الإسلام ويزعم أنّه يريد أن يطوّر الإسلام ليقدّمه إلى عالم اليوم فتُقبِل عليه النفوس، أو أن يعطيه دفعة جديدة لئلاّ يقع التعارض بين أهواء النفوس المعاصرة وبين آيات القرآن، وهذا الصنف يمارس كلّ أساليب الإلحاد، أي إمالة معاني كتاب الله تعالى لتوافق الأهواء الباطلة والشهوات الدنيويّة، وهم يستخدمون كلّ طاقاتهم وقدراتهم لليّ أعناق النصوص - كما يقول سيّد قطب - حتّى تتوافق مع مرادهم، وهذا الصنف ملأ السهل والواد في عصرنا هذا وأيّامنا هذه، ويحمل لواء هذا الجحفل إلى جهنّم كبيرهم الذي علّمهم الزندقة والإلحاد: محمّد أركون الجزائري، وارتشف قيحه وصديده نصر حامد أبو زيد ومعهم حسن حنفي وغيرهم الكثير.
ثمّ جاء بعدهم وسبقهم في ارتكاستهم السوري النصيريّ محمّد شحرور صاحب (الكتاب والقرآن) ، ولو ذهبنا نستقصي لطال بنا المقام، وكاتب هذه الكلمات بدأ في إعداد معلّمة تسمّى (طبقات الزنادقة) تقتصر على أسماء المعاصرين من هذا الصنف اللعين، أسأل الله تعالى الإمداد والإعانة.
فهذا الصنف الكافر بما أنزل الله تعالى همّه تفسير القرآن على غير وجهه الذي نزل به، إمّا لضرب بعضه بعضًا كما كان يصنع ابن الرايوندي الملحد الزنديق وكذا صادق جلال العظم والسوري تركي علي الربيعو، أو يحمله على غير وجهه حتّى يحتجّ به على باطله وخبثه وشرّه.