ثانيهما: النظر في التاريخ، لأن التاريخ هو جريان سنن الله تعالى، قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ منْ قَبْلكمْ سنَنٌ فَسيروا في الأَرْض فَانْظروا كَيْفَ كَانَ عَاقبَة الْمكَذّبِينَ} ، فدراسة أمّة من الأمم وظاهرة من الظواهر في قوم مضوا تكشف لنا بعض السنن التي تهدينا إلى التعامل معها.
وقبل الخوض في سنّة القرية الكافرة بنعمة الله، لا بدّ من التنبيه على أمر وقع فيه أولئك الذين اهتمّوا بدراسة السنن القدرية بعيدا عن الإحاطة والمعرفة بالسنن الشرعيّة، إذ أوقعهم هذا في احتقار الشرع وعدم الاهتمام به وخاصّة ما يتعلّق بالسنن النبويّة، فأصابهم هوسُ تعظيم الكافرين وتقليدهم، وخاصّة في هذا الوقت الذي جهل أهل الإسلام دينهم وباءت محاولاتهم لإعادة الدين إلى الحياة بالفشل. ثمّ بدراسات هشة سريعة غير متأنيّة زعموا أنّهم خرجوا بنتائج واجبة التطبيق والاحترام، ولعلّ مدرسة"مذهب ابن آدم الأوّل"بقيادة جودت سعيد هي التي فتحت فتوح الشرّ في هذا الباب، ولم ينظروا إلى ما قاله الأئمة الهداة في الارتباط بين ما هو شرعيّ وما هو قَدَريّ، فإنّ عدم الفهم لهذه العلاقة تؤدّي إلى الزندقة التي نطق بها بعض أتباع هذه المدرسة، ثمّ غفلوا عن معنى النتيجة الحسنة في دين الله تعالى، وغلب على أذهانهم أنّ النتائج الحسنة هي نفس المعنى في نفوس الأغيار من الكافرين، فالموت في سبيل الله تعالى هو نتيجة حسنة في دين الله تعالى، أمّا الموت عند الأغيار على أي معنى هوَ نتيجة قبيحة ولا شك، ثمّ غفلوا عن معنى الابتلاء، وسقط من أذهانهم ولم يقيموا له شأنا، وكلّ هذا الذي وقع منهم لغفلتهم عن سنن الشرع أوّلا، ثمّ لوقوعهم في طرق الغير في دراسة سنن الكون والقدر.
-الأمن والاطمئنان:
في هذه الآية ذكر قرية كانت على حال من الأمن والاطمئنان ورَغَد العيش، وهذه منتهى طلب النفوس وغاية ما يسعى إليه الناس فرادى وجماعات.
أمّا الأمن فهو سعادة الظاهر بعدم وجود الأعداء على وجه حقيقي، فليس هناك من يطرقهم بعذاب، أو يهدّدهم بقارعة، ثمّ ليس هناك ما يعكّر في داخلهم هذا الأمن، بل هم يحسّون به في نفوسهم، فهم في اطمئنان داخليّ، وهكذا توافق الظاهر والباطن، أمن خارجي واطمئنان باطنيّ، ثمّ رَغَد في العيش، وذلك بسهولة تحصيله وكثرته، فالنعم تجبى لهم، لا يبذلون الكثير في حصولها، بل هي آتية لهم من كلّ مكان تنبت أو تصنع فيه.
واعلم أنّ تحصيل هذه النعم ليس بالأمر السهل الهيّن بل هو من أشقّ الأمور، ذلك حين ينزع الله تعالى من قلوب الناس بغض قريتك فلا يقصدونها بسوء ولا يبيّتون لها شرّا، بل