قسم الفلسفة كما قلت -. وبعد قليل أرسل الدكتور"طه"يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حينًا ويرفق أحيانا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقاله"مرجليوث"، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلما ته، ومن حركاته أيضا!! وكتماه هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزًا عن الرد، وعن الإعتذار إليه أيضًا، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتًا مُطرقًا حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور:"طه"إلى غير رجعة!
ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانًا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينا وشمالًا في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة مرجليوث، صارفًا همي كله إلى موضوع"المنهج"و"الشك"وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة، ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي قبل الحديث عن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهلية، أن التماس الشبه لتقرير أنه باطل بالنسبة، وأنه موضوع في الإسلام، من خلال روايات في الكتب هي في حد ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير. ولكني من يومئذ أيضًا لم أكف عن إذاعة هي الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور"طه"وهي أنه سطا سطْوًا كريهًا على مقالة المستشرق الأعجمي، فكان، بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور"طه"نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ"نلّينو"جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافىء بيني وبين الدكتور"طه"زما نًا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالبًا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في"قضية الشعر الجاهلي"بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب).
ولطبيعة خاصة لهذا الرجل قرر أن يترك الجامعة بعد أن سقطت هيبتها من