لكن أكثر الناس اليوم يسعون للهلاك، بتنحيتهم لشرع الله عن سائر الأملاك، قال الله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةًأَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(16 ) ) [الإسراء] .
قال الإمام القرطبي رحمه الله:" (أمرنا) قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية والربيع ومجاهد والحسن: (أمّرنا) بالتشديد، وهي قراءة علي رضي الله عنه، أي: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم."
وقال أبو عثمان النهدي: (أمّرنا) بتشديد الميم، جعلناهم أمراء مسلطين، وقاله ابن عزيز.
وتأمر عليهم تسلط عليهم".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 10/ 232] ."
فالهلاك المسوق، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفسوق؛ (فَفَسَقُوا فِيهَا) وأعظم فسق في الإمارة، الحكم بغير ما أنزل الله في التدبير والإدارة. قال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة: 47] .
وقال الله تعالى في تقرير مسألة الهلاك للقرى والدول، فيما حصل لها في القرون الأُول: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59 ) ) [الكهف] .
فكما أن الهلاك مرتبط بالفسق مثلما تقرر، كذلك هو مرتبط بالظلم والجور؛ (لَمَّا ظَلَمُوا) ، وأعظم ظلم في الحكم، الحكم بغير ما أنزل الله في المال والعرض والدم. قال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: 45] .
ومع كل هذا الوضوح في المسألة، إلا أن أكثر الناس عنها في غفلة! ولقد صدق الصادق الأمين، حين حدثنا بما سيحدث في آخر السنين؛ فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضًا: الحكم. وآخرهن: الصلاة) [أخرجه أحمد والحاكم والطبراني والبيهقي وابن حبان، وصححه الألباني، وقال شيخنا الأرنؤوط: إسناده قوي] .
وها نحن نرى بأم العيون، ما أحدثه كل مفتون، من نقض عروة الحكم بالقرآن، والحكم بين الناس بزبالة الأذهان!