الكاتب: ابن تيمية
وأنه خلق ليعلم به الحق وليستعمل فيما خلق له
قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه:
إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء، كما خلق العين يرى بها الأشياء، والأذن يسمع بها الأشياء، وكما خلق سبحانه كل عضو من أعضائه لأمر من الأمور، وعمل من الأعمال، فاليد للبطش، والرجل للسعي، واللسان للنطق، والفم للذوق، والأنف للشم، والجلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة، فإذا استعمل العضو فيما خلق له وأعد من أجله، فذلك هو الحق القائم، والعدل الذي قامت به السموات والأرض، وكان ذلك خيرا وصلاحا لذلك العضو ولربه وللشيء الذي استعمل فيه، وذلك الإنسان هو الصالح الذي استقام حاله وأولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون.
وإذا لم يستعمل العضو في حقه، بل ترك بطالا، فذلك خسران، وصاحبه مغبون، وإن استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفرا.
ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب كما سمي قلبا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} .
وقال صلى الله عليه وسلم: {الإسلام علانية، والإيمان في القلب ثم أشار بيده إلى صدره، وقال: ألا إن التقوى هاهنا، ألا إن التقوى هاهنا} .
وإذ قد خلق ليعلم به فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفكر والنظر، كما أن إقبال الأذن على الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع، وانصراف الطرف إلى الأشياء طلبا لرؤيتها هو النظر، فالفكر للقلب كالإصغاء للأذن إذا سمعت ما أصغت إليه، ومثله نظر العينين في شيء، وإذا علم ما نظر فيه فذاك مطلوبه، كما أن الأذن إذا سمعت ما أصغت إليه، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه.
وكم من ناظر مفكر لم يحب العلم ولم ينله، كما أنه كم من ناظر إلى الهلال لا يبصره، ومستمع إلى صوت لا يسمعه، وعكسه من يؤتى علما بشيء لم ينظر فيه، ولم تسبق منه سابقة فكر كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه، أو سمع قولا من غير أن يصغي إليه.