وفضل الحرمين لا يشك فيه من له أدنى إلمام بما جاءت به الرسل الكرام.
ولكن ليس فيه حجة على تحسين حال أهلها مطلقًا، وقد قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء لما دعاه إلى الأرض المقدسة، ورغبه فيها: (( إن الأرض لا تقدس أحدًا ) )قال الله تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وهي: مصر والشام.
فإن كان في شرف البقاع حجة ودليل على صلاح أهلها، فليكن هنا وبنو إسرائيل في الأرض المقدسة وسكان (إيليا) والمسجد الأقصى، وقد جرى منهم من الكفر والتكذيب، وقتل الأنبياء ما لا يخفى على من أنس شيئًا من أنوار النبوة والرسالة.
ثم إستدلال أهل اليمن على حسن حالهم مطلقًا، بحديث (( الإيمان يمان والحكمة يمانية ) )وحديث: (( أتاكم أهل اليمن أرق قلوبًا وألين أفئدة ) )أظهر من الاستدلال بشرف البقاع على عدم ضلال أهلها، لأن حديث: (( الأيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ) )يصدق ولو على البعض والأول أدل [1] على العموم، ولو احتج الأسود العنسي وأمثاله على حسن حالهم بما تقدم لكان جوابه جوابًا لنا، فقد قال الله {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} .
إيضاح المراد من الزلازل والمحن:
أيها السائل، أنك لمحت إلى أن المراد من مواضع الزلازل والفتن هي أرض نجد، وبلادها واتخذت ذلك سهمًا رميت به من سكن هذه الخطة ونحن نعذرك في ذلك، حيث لم تقف على معني الحديث، وبعد بيانه، نرجو من لطف الله تعالى أن تذعن أنت وأضربك للحق، إن كنت من أهل الفهم والإنصاف.
أما الحديث فهو قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء (( اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ) )قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله فكرر ثلاث مرات يدعوا للشام واليمن، وهم يقولون (( وفي نجدنا ) )فقال في الرابعة تلك مواضع الزلازل والفتن )) وقد استجيبت دعوته صلى الله عليه وسلم وحصل من البركات بسبب هذه الدعوات، في الشام واليمن، ما هو معروف ومشهور، وهل دونت الدواوين، ووضع العطاء، وجندت الجنود، وارتفعت الرايات والبنود، إلا بعد إسلام أهل اليمن وأهل الشام، وصرف أموالهما في سبيل الله.
(1) - أي حديث (( الإيمان يمان ) )وحديث (( أتاكم أهل اليمن الخ ) ).