الصفحة 49 من 105

فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} وهو ممن قال الله فيه {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} .

النوع الثالث: من عرف التوحيد واتبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضًا كافر. وفيه قول الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} .

النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد واتباع أهل الشرك، وساعون في قتالهم، ويعتذر عليه ترك وطنه، ويشق عليه، فيقاتلهم أهل التوحيد ويجاهدهم بماله ونفسه.

فهذا أيضًا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه ترك الصيام إلا بفراقهم، فعل. ولو يأمرونه بتزوج إمرأة أبيه، ولا يمكنه ترك ذلك، إلا بمخالفتهم فعل: وموافقته على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله، أكبر من ذلك بكثير، فهذا أيضًا كافر وهو ممن قال الله فيه {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} : هؤلاء الذين نكفرهم لا غير.

وأما القول بأنا نكفر الناس عمومًا، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل ومثل هذا وأضعاف أضعافه فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.

وإذا كنا لا نكفر من عبد القبور من العوام لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم [1] فكيف نكفر من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} .

فقد ذكرنا لك - أيها السائل - ما يكشف عنك غطاءك، لو كان لك بصر ثاقب وفكر سديد، وفطنة كافية، تأخذ بيدك من أوهام الحيرة، وظلمات الوساوس، والله ولي التوفيق.

(1) - يريد الشيخ رحمه الله أنهم لا يكفرون العوام الجهال الذين لم تبلغهم الحجة من كتاب الله وسنة نبيه. وأما من بلغته الحجة، وعاند، وأصر على شركه من دعاء الموتى والاستغاثة بهم، وطلب النفع منهم، أو دفع الضر، فلا شك في شركه، بل وفي كفر من لم يكفره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت