هذا .. هو الذي جعل ذلك الجيل علي النحو الذي كان عليه .... إحساسهم الحق بالعبودية الكاملة للإله الحق, العظيم القادر, المحيط بكل شئ علمًا وتدبيرًا وقدرة ومشيئة وحفظًا وهيمنة وملكًا وجبروتًا ورحمة ومغفرة ...
هو الله .. وهم العبيد .. والعبيد يسلمون أنفسهم وقلوبهم وأرواحهم للذي يملكها حقًا وصدقًا ... فيتصرفون تجاه المالك كما يتصرف العبيد من الإذعان والطاعة والتسليم والخضوع.
وعندئذ يصلون إلي القمة التي لا يحسن الصعود إليها إلا من يحسن العبودية لله!.
إن لهذا الأمر عجيب .. ولكنه هو حقيقة النفوس! إنها لا تكون علي تمامها, وفي أحسن لحالاتها وأعلاها, إلا حين تكون مستقيمة علي وضعها الصحيح تجاه خالقها. كالآلة لا تدور دورانها الطبيعي السهل السلس حتي يكون كل"ترس"من"تروسها"في وضعه الصحيح, ولا يكون شئ منها ناتئًا عن موضعه فتقف عن الحركة لآو تضطرب في دورتها.
فما الوضع الصحيح للإنسان تجاه خالقه؟
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) } [سورة البقرة 2/ 208] .
استسلموا لله بكافة أنفسكم ... بكافة كل نفس منكم ... بحيث يكون كل جزء من نفوسكم مستسلمًا لله ... وهذا هو الإسلام!.
وعندئذ؟ تكونون في أعلي عليين!! تكونون في أصفي حالاتكم, وفي أفضل حالاتكم, وفي أعلي صورة مستطاعة للإنسان علي الأرض ... الإنسان الذي توشك أن تصافحه الملائكة!
هل من عجب إذن أن يكون أعظم بشر في تاريخ البشرية هو أعبد الناس لله؟.
هو الذي يمن علي الله عليه بأنه قرّبه إليه أشد القرب بأن ألصق عبوديته به سبحانه وتعالي:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [سورة الإسراء 17/ 1]
ففي أعظم لحظات التقريب أبرز الصفة التي كانت هي أداة القرب, وأداة الرفعة, وأداة التكريم.
إنه رب كريم, يكرّم عباده بمقدار ما يتعبدونه, فيكون أكرمهم عنده هو أشدهم عبودية له:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سورة الحجرات 49/ 13]