يروي الصحابة عن أنفسهم يقولون: لم يكن أحدنا يستكثر من القرآن, إنما كنا نتعلم عشر آيات لا نزيد عليهن حتي نعمل بما فيهن, فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا [1] .
لقد أنزل الله هذا القرآن لينشئ شيئًا ضخمًا في واقع الأرض.
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} [سورة الرعد 13/ 31] .
لقد كان المشركون يطلبون الرسول - بمعجزات حسية كتسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتي, ويعلقون إيمانهم بصدق الرسول - علي تحقيق هذه المعجزات الحسية. ولكن الله لم يشأ أن ينزل عليهم تلك الآيات الحسية وأنزل بدلًا منها ذلك الكتاب المعجز العظيم: الآية الباقية أبد الدهر. والآية التي أوردناها آنفًا تشير إلي أنه ليس من شأن القرآن أن يسيّر أو يقطع الأرض أو يكلم الموتي, لأن له شأنًا آخر ... وتوحي بأن ما يقوم به القرآن أعظم من ذلك كله! أعظم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتي, الذذي تنتهي إليه أحلام الجاهلين وتصوراتهم ... إن مهمته هي إنشاء"الإنسان"فبي أحسن تقويم .... وذلك أعظم عند الله من كل ما يتصورون.
ولقد عمل القرآن علمه بالفعل في نفوس المسلمين الأوائل, فأنشأها إنشاء من جديد, فكان منهم ذلك الواقع العجيب الذي سجله التاريخ, والذي يلتقي فيه الواقع بالمثال.
كان القرآن يحدثهم عن قضية الألوهية فيدخل بها إلي نفوسهم من كل مداخلها, ويوقَع بها علي أوتار قلوبهم, فإذا اهتزت وجههم إلي حقيقة التوحيد.
كان يحدثهم عن آيات الله في الكون, ون قدرة الله المعجزة في الخلق, وعن قدرة الله المعجزة في الخلق, وعن الإحياء والإماتة, وعن الرزق والتدبير, وعن علم الله للغيب ... إلخ .... إلخ.
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ
(1) انظر تفسير ابن جرير (1/ 80) .