فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 436

يتوهج الحق في قلوبهم إلي الحد الذي يعيشون فيه مع رسول الله - -في سيرته وسنته- كأنهم يعايشونه ويتلقون عنه من قرب كذلك الجيل الأول المتفرد, وتكون هذه المعايشة -من خلال السيرة والسنة- كفيلة برفعهم غلي تلك الآفاق السامقة التي ارتادها الجيل الأول بجهد أيسر, وهم يتلقون الرفعة من الأثر المباشر لشخصية الرسول -.

وخلاصة القول -كما أسلفنا- أن حركة البعث الإسلامي المعاصرة هي أقرب الحركات أن تتمثل فيها خصائص ذلك الجيل المتفرد, إن لم تكن بنفس الوفرة وبنفس الدرجة من الرفعة, فعلي درجات قريبة منها علي أي حال. وإنها لتقدم بالفعل نماذج ترتفع إلي ذلك المستوي, وتذكّر الناس به من جديد, سواء فقي التجرد لله, أو صدق الجهاد في سبيل الله, أو التقدم للشهادة بنفس راضية مستعلية علي كل متاع الأرض, متطلعة إلي ما عند الله, أو الثبات علي العذاب الذي لا تطيقه الأبدان ولا النفوس.

والخلاصة مرة أخري أن ذلك الجيل المتفرد, الذي تمثلت في واقعية الإسلام ومثاليته, لم يوجد ليكون مجرد ذكري, وإنما وجد ليحاول المسلمون في كل الأجيال أن يصعدوا لمستواه, فإن حاولوا فقد ارتفعوا ونجوا من الهبوط, سواء وصلوا -في مجموعهم- إلي ذلك المستوي الرفيع أم لم يستطيعوا الوصول.

والخلاصة مرة ثالثة أن الذي تفرد به ذلك الجيل لم يكن هو الخصائص الأساسية للوجود الإسلامي, فهذه مطلوبة من كل جيل, وممكنة في كل جيل, ولازمة لإقامة الوجود الإسلامي الصحيح في الأرض, والناس محاسبون إن قصروا في أدائها, ويعتبرون آثمين في حق الله وحق أنفسهم إن قصروا فيها, ويتوقف وجودهم وثقلهم في الأرض علي القيام بها في صورتها الصحيحة.

إنما الذي تفرد به ذلك الجيل هو الدرجة العجيبة التي قاموا فيها بتحقيق هذه الخصائص في عالم الواقع, بعد قيامهم بتحقيقها في ذوات أنفسهم. وهذه درجة لم يفرضها الله فرضًا علي الناس, إنما فرض عليهم الحد الأدني الذي لا تستقيم الحياة بدونه, وترك الدرجات العلا للتطوع النبيل, الذي تقدر عليه النفوس حين تتربي التربية الصحيحة علي الإسلام, وتستضئ بنور الحق, وتعبد الله كأنها تراه [1] , وتقتدي بالرسول - كأنها تعايشه.

وحين يتحقق للناس الحد الأدنى من هذا الدين, تستقيم الحياة علي صورة تعجز عنها أي جاهلية من جاهليات التاريخ, وفي مقدمتها الجاهلية المعاصرة .... أما حين يتحقق ما فوق ذلك فهذا هو الفردوس

(1) جاء في حديث «هذا جبريل أتاكم يعلمكم امر دينكم: «قال: وما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك رواه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت