الصفحة 31 من 175

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام ، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم ، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك . وكانوا قد وُعِدُوا على إقامة هذا الدين وعدًا واحدًا ، لا يدخل فيه الغلب والسلطان .. ولا حتى لهذا الدين على أيديهم .. وعدًا واحدًا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعدًا واحدًا هو الجنة . هذا كل وعدوه على الجهاد المضني ، والابتلاء الشاق ، والمضي في الدعوة ، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان ، وهو:"لا إله إلا الله"!

فَلَمَّا أن ابتلاهم الله فصبروا ، ولَمَّا أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ، ولَمَّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنًا ما كان هذا الجزاء ، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم ، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولَمَّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم ، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض ، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت .. لَمَّا أن علم الله منهم ذلك كله ، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى .. أمناء على العقيدة ، التي يتفرد فيها الله - سبحانه - بالحاكمية في القلوب والضمائر ، وفي السلوك والشعائر ، وفي الأرواح والأموال ، وفي الأوضاع والأحوال .. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها ، وعلى عدل الله يقيمونه ، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ، ولا لعشيرتهم ، ولا لقومهم ، ولا لجنسهم . إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله ، ولدينه وشريعته ، لأنهم يعلمون أنه من الله ، هو الذي آتاهم إياه .

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع ، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء . وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها .. راية لا إله إلا الله .. ولا ترفع معها سواها . وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره ، المبارك الميسر في حقيقته .وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله ، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية ، أو دعوة اجتماعية ، أو دعوة أخلاقية .. أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد:"لا اله إلا الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت