الصفحة 30 من 175

وربما قال قائل: أنه لو صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة ، تتطهر أخلاقها ، وتزكوا أرواحها ، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها ، بدلًا من أن تثير دعوة"لا إله إلا الله"المعارضة القوية منذ أول الطريق .ولكن الله - سبحانه - كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق ! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة ، تضع الموازين ، وتقرر القيم ، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم ، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة ، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين . وإنه قبل تقرير هذه العقيدة ، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك ، بلا ضابط ، وبلا سلطان ، وبلا جزاء !

فلمَّا تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة .. لَمَّا عرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. لَمَّا تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء .. لَمَّا تقررت في القلوب"لا إله إلا الله".. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون .. تطهرت الأرض من"الرومان والفرس".. لا ليتقرر فيها سلطان"العرب". ولكن ليتقرر فيها سلطان"الله".. لقد تطهرت من سلطان"الطاغوت"كله .. رومانيًا ، وفارسيًا ، وعربيًا ، على السواء .

وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته . وقام"النظام الإسلامي"، يعدل بعدل الله ، ويزن بميزان الله ، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده ، ويسميها راية"الإسلام". لا يقرن إليها اسمًا آخر ، ويكتب عليها:"لا اله إلا الله"!

وتطهرت النفوس والأخلاق ، وزكت القلوب والأرواح ، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هناك في الضمائر ، ولأن الطمع في رضى الله وثوابه ، والحياء والخوف من غضبه وعقابه ، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات .

وارتفعت البشرية في نظامها ، وفي أخلاقها ، وفي حياتها كلها ، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط ، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت