الصفحة 41 من 529

ومرة أخرى اتصلت على أخينا الفاضل أبي يحيى محمد لأسأله: كيف كان درس شيخنا هذا الأسبوع، فأخبرني أن الشيخ لم يُلْقِ اليوم درسًا لنوبة سعال حادة [1] ألمت به، فتألمت لذلك ألمًا شديدًا وسألت الله له-بصدق-أن يشفيه ويبارك لنا في عمره لينشر السنة ويقمع البدعة.

فلما دخلت زنزانتي الانفرادية صليت المغرب والألم يعتصرني فاجتهدت بالدعاء له فلما تحللتُ من صلاتي، أخذت القلم علَّ شيطان الشعر يزورني-هذه المرة- لأعبر به عما في ضميري من الحزن فكتبت عنوانًا لقصيدة-قبل أن تجود بها القريحة-:

(الغصن الخضيل في التسرية عن الشيخ الجليل) .

فارتجلت هذه الأبيات:

رَفِيقَ الدَّرْبِ حَالَفَكَ النَّجَاحُ ... وَأَعْقَبَ لَيْلَكَ الدَّاجِي صَبَاحُ ...

جَمَعْتَ مَحَاسِنًا وَنَشَرْتَ فَضْلًا ... كَذَاكَ الطِّيبُ تَنْشُرُهُ الرِّيَّاحُ ...

أَتَانِي أَمْسِ أَنَّكَ رَهْنُ سُقْمٍ ... فَلاَ شَمتَتْ بِعِلَّتِكَ الصِّحَاحُ ...

فَعِطْفُكَ لَيِّنٌ وَالْقَلْبُ سَمْحُ ... وَعَادَتُكَ التَّوَدُّدُ وَالسَّمَاحُ ...

وِدَادَكَ إذْ أُصِبْتَ رِدَاءُ صَبْرٍ ... وإذْ أَنْعَمْتَ شُكْرٌ وَارْتِياحُ ...

وَعِنْدَ الله أَجْرَكَ فَاحْتَسِبْهُ ... فَإنَّ رِحَابَهُ أَبَدًا فِسَاحُ ...

أبَا خُبْزَةٍ دِنَانكَ طَافِحاتٌ ... يَلَذُّ بِهَا اغْتِبَاقٌ واصْطِبَاحُ! ...

يُعَاطِيهَا عَلَى التَّقْوى نّدّامَى ... لَهُمْ لِلْعِلْمِ شَوْقٌ والتِّياحُ! ...

فأبْلِ بَلاَءَ مُحْتَسِبٍ مُنِيبِ ... حِجَاهُ السَّيْفُ يَا نِعْمَ السِّلاَحُ ...

وقاك الله حادثةَ الليالي ... وأدبرتِ المواجِعُ والجِراحُ [2]

(1) -ومما كنت قرأته بزنزانتي في كتاب شيخنا (سقيط اللآل، وأنس الليال) (ص:45) قوله:(ولكاتبه عفا الله عنه في نوبة سعال حادة:

ربِّ إنَّ السُّعَالَ قد هَدَّ جسمي ... فاشفِني منه وافرج اليوم غَمِّي).

وذيلته بقولي:

إنَّ هَمِّي سَقَى فُؤادِيَ كأسًا ... أَذْهَبَ اللُّبَّ، يَا لَسَكْرةِ هَمِّي! ...

رُبَّ قَيْدٍ أَخَفُّ مِنْ قَيْدِ نفسٍ ... فَقَدَتْ رَشْدَهَا وَبَاءَتْ بِإِثْمِي ...

إنَّمَا العُمْرُ لَحْظَةٌ فَاهْتَبِلْهَا ... لاِتِّبَاعِ الْهُدَى وَتَحْصِيل علمِ

(2) - وكان ذلك بتاريخ 24 محرم 1428هـ بالسجن المحلي بتطوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت