1 -ما هي المباهلة وما حكمها ومتى تشرع؟ (رقم السؤال: 1083) :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما هي المباهلة؟ و ما حكمها؟ ومتى تشرع؟
و هل يجوز لطالب علم مبتدئ أن يباهل شخصا أعلى منه علما إذا رأى أنه على حق؟
وجزاكم الله خيرا
السائل: abuHafs
المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
أخي السائل:
المباهلة هي الملاعنة؛ قال ابن فارس:"الباء والهاء واللام ..: جنس من الدعاء ..".اهـ [معجم مقاييس اللغة 1/ 310] , والبَهْل معناه: اللعن, بهله الله بهلًا: أي لعنه, وعليه بهلة الله: أي لعنته. وباهل القوم بعضهم بعضًا, وتباهلوا إذا تلاعنوا. والمباهلة: الملاعنة.
وحكم المباهلة الجواز, وتُشرع عند ظهور الحجة على الخصم, وبطلان دعواه, فإذا لم يقر ويتابع, جاز دعاؤه إلى المباهلة.
قال الله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) قال أبو عبيدة والكسائي: (ثم نبتهل) أي نلتعن. اهـ [تفسير القرطبي 4/ 104] .
وصورة المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء, فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا. اهـ [لسان العرب 11/ 72] .
وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم بعض اليهود والنصارى للمباهلة, ولا يخلو كتاب من كتب السيرة من ذكر ذلك.
وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى ابن عباس قال: وددت أن هؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن, ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. اهـ [الفقيه والمتفقه 2/ 63] .
وطلب الأوزاعي من بعض أهل العلم الملاعنة عند الركن: أينا على الحق في شأن الاستدلال على بعض مسائل الفروع .. [انظر: محاسن المساعي في مناقب الأوزاعي ص69 - 72] .
وقد طلب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله شيوخ البطائحية -وهي فرقة صوفية- للمباهلة في موقف عظيم مشهود, انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 11/ 445 - 475, وقد طبعت هذه المباهلة مستقلة بعنوان:"مناظرة ابن تيمية لطائفة الرفاعية".
وقد باهل الحافظ ابن حجر رحمه الله بعض المحبين لابن عربي, انظر: مصرع التصوف للبقاعي ص149 - 150, وذكرها الألوسي في غاية الأماني 2/ 374, وقد أشار إليها الحافظ في الفتح.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله وهو يعدد فوائد قصة وفد نجران:"ومنها أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله, ولم يرجعوا, بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة, وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله, ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك, ودعا إليه ابن عمه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع, ولم يُنكر عليه الصحابة, ودعا إليه الأوزاعي ... ولم يُنكر عليه ذلك, وهذا من تمام الحجة".اهـ [زاد المعاد 3/ 643] .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد القصة نفسها:"وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة, وقد دعا ابن عباس إلى ذلك, ثم الأوزاعي, ووقع ذلك لجماعة من العلماء, ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة, ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة, فلم يقم بعدها غير شهرين".اهـ [فتح الباري 8/ 95] .
وبعد؛ فإنني لا أنصح طالب العلم المتقدم بالمسارعة إلى طلب المباهلة, فضلًا عن طالب العلم المبتدئ, وأن لا يُشغل نفسه بذلك؛ فإنه قد يرى الرأي اليوم ثم يرجع عنه غدًا, وخاصة في مسائل الفروع .. بل عليه أن ينشغل بطلب العلم والعمل به والدعوة إليه ومحاجة الخصوم بالحكمة والموعظة الحسنة ..
وأما المباهلة فلها رجالها من الراسخين في العلم الأكفاء, والله أعلم.
أجابه، عضو اللجنة الشرعية: