فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 265

وأما من ذهب إلى أن القراءة تجب على الإمام والمنفرد دون المأموم, فاستدلوا بأمور:

1 -قوله تعالى: (وإذا قُرئ القرآنُ فاستمعوا لهُ وأَنصتوا لعلكم تُرحمون) . ولكن هذه آية عامة وحديث عبادة خاص, والخاص يقدم على العام.

2 -حديث أبي موسى مرفوعًا: (وإذا قرأ فأنصتوا) [أخرجه مسلم] . ولكن يقال فيه ما قيل في الآية, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"ولا دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين: فينصت فيما عدا الفاتحة".اهـ [فتح الباري 2/ 314] .

3 -حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) . ولكنه حديث ضعيف لا يصح, رواه ابن ماجة؛ وقال في"الزوائد":"في إسناده جابر الجعفي كذاب, والحديث مخالف لما رواه الستة من حديث عبادة".اهـ وقال الحافظ ابن حجر في التقريب:"جابر بن يزيد الجعفي .. ضعيف رافضي".اهـ ورواه الطبراني أيضًا؛ وجاء في مجمع الزوائد:"رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو هارون العبدي وهو متروك".اهـ

قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"وقد روي هذا الحديث من طرق, لا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم".اهـ [تفسير القرآن العظيم 1/ 22] , وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"حديث ضعيف عند الحفاظ, وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره".اهـ [فتح الباري2/ 314]

4 -احتج المالكية بعمل أهل المدينة, قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله:"أما الجهر, فلا سبيل إلى القراءة فيه لثلاثة أوجه؛ أحدها, أنه عمل أهل المدينة ..".اهـ ولكن لا حجية في عمل أهل المدينة وحدهم عند جمهور الأصوليين.

-أما عن حكم سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية, فليس في ذلك دليل صحيح صريح يدل على مشروعية ذلك .. فقد روي عن سمرة بن جندب قال:"سكتتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".اهـ

أما السكتة الأولى فهي بعد تكبيرة الإحرام, فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة".

وأما السكتة الثانية فقد اختلف أهل العلم فيها, فمنهم من قال: إنها بعد الفراغ من قراءة الفاتحة, ومنهم من قال: إنها بعد الفراغ من القراءة كلها وقبل الركوع. قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"واختلف في الثانية فروي أنها بعد الفاتحة, وقيل إنها بعد القراءة وقبل الركوع".اهـ [زاد المعاد 1/ 208]

هذا إن صح الحديث, ولكن الحديث لم يصح كما أسلفنا؛ قال الشيخ الألباني -عفا الله عنه-:"هذا الحديث معلل عندي بالانقطاع, لأنه من رواية الحسن عن سمرة, وهو وإن كان سمع منه في الجملة, فهو مدلس, وقد عنعنه, ولم يصرح بسماعه لهذا الحديث منه, فثبت ضعفه".اهـ [تمام المنة ص188]

-وأخيرًا: فإننا نستثني من حكم قراءة الفاتحة للمأموم ما إذا سُبق فلم يدرك إلا الركوع خلف الإمام, على خلاف الظاهرية الذين قالوا بعدم اعتداد هذه الركعة, قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"فإن جاء والإمام راكع فليركع معه, ولا يعتد بتلك الركعة لأنه لم يدرك القيام ولا القراءة".اهـ [المحلى 3/ 145]

ودليلنا على ما استثنيناه حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم راكعًا, فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف, ثم دخل في الصف, فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته سأل عمن فعل ذلك, فقال أبو بكرة: أنا يا رسول الله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصًا ولا تعد) [أخرجه البخاري] , فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الركعة, كما أمر الذي صلى بلا طمأنينة أن يعيد صلاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت