فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 265

وَيُعْجِبُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا حُبِسَ فِي قَلْعَةِ"جِلِّقِ"الْمَحْرُوسَةِ فَضَاقَ بِهِ الْخِنَاقُ، وَبَلَغَتْ مِنْهُ الرُّوحُ التَّرَاقِ، فَدَخَلَتُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَحَابِيسِ - وَكَانَ فِي الْحَبْسِ اثْنَانِ مِنْ «الدَّيْرَةِ» - فَقَالَ لِي الأَعْرَابِيُّ:"يَا سَيِّدِي: أَنَا أَقُولُ قَاتَلَ اللَّهُ حَابِسَ الطَّيْرِ فِي الأَقْفَاصِ! فَإِنَّهُ لِشَجْوِهِ وَغُرْمِهِ يَتَرَنَّمُ وَالْحَابِسُ لَهُ بِشَجْوِهِ وَعَذَابِهِ وَبِلْبَالِهِ يَتَنَعَّمُ، وَلَوْ عَرَفَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ اللَّهِيبِ النَّاشِئِ عَنْ فِرَاقِ الْإِلْفِ الْحَبِيبِ وَالْمَكَانِ الرَّحِيبِ لَكَانَ إلَى اُلْبُكَا وَالْوَصَبِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى التَّنَعُّمِ وَالطَّرَبِ، وَلَكِنْ هَانَ عَلَى الْخَلِيِّ مَا يَلْقَى الْمَلِيُّ". فَقُلْت لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ عَرَفْت أَنْتَ هَذَا؟! فَقَالَ:"قِسْته عَلَى نَفْسِي، وَشَبَّهْت حَبْسَهُ بِحَبْسِي! بِجَامِعِ أَنَّ كُلاًّ مِنَّا نَشَأَ فِي الْفَلاَةِ الْوَاسِعَةِ، وَالأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ".

فَانْظُرْ حَالَ هَذَا الأَعْرَابِيِّ مَعَ جَفَائِهِ وَغَبَاوَتِهِ، وَعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ لِذَوِي الْعُلُومِ وَقِلَّةِ دِرَايَتِهِ، كَيْفَ أَدْرَكَ هَذَا الْمُدْرَكَ، تَجِدْهُ قَدْ أَصَابَ فِي قِيَاسِهِ وَأَدْرَكَ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ".اهـ [غِذاء الألباب 1/ 349 - 350] ."

وروي عن أبِي الدَّردَاء رضي الله عنه أنه قال:"تَجِيءُ العَصَافِيِرُ يَوْمَ القِيَامَةِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ الَّذِي كَانَ يَحْبِسُهَا فِي القَفَصِ عَنْ طَلَبِ أرْزَاقِهَا وَتَقُولُ:"يَا رَبُّ هَذَا عَذَّبَنِي فِي الدُّنْيَا"!.اهـ [حياة الحيوان الكبرى للدميري 2/ 213] ."

ولما سُئل الإمام ابن عقيل رحمه الله عن حبس الطيور لطيب نغمتها, قال:"سَفَهٌ وَبَطَرٌ، يَكْفِينَا أَنْ نَقْدُمَ عَلَى ذَبْحِهَا لِلأَكْلِ فَحَسْبُ، لِأَنَّ الْهَوَاتِفَ مِنْ الْحَمَامِ رُبَّمَا هَتَفَتْ نِيَاحَةً عَلَى الطَّيَرَانِ وَذِكْرِ فِرَاخِهَا! أَفَيَحْسُنُ بِعَاقِلٍ أَنْ يُعَذِّبَ حَيًّا لِيَتَرَنَّمَ فَيَلْتَذَّ بِنِيَاحَتِهِ! فَقَدْ مَنَعَ مِنْ هَذَا أَصْحَابُنَا وَسَمَّوْهُ سَفَهًا".اهـ [انظر: بدائع الفوائد 3/ 655]

وقال أيضًا:"نَحْنُ نَكْرَهُ حَبْسَهُ لِلتَّرْبِيَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّفَهِ, لِأَنَّهُ يَطْرَبُ بِصَوْتِ حَيَوَانٍ صَوْتُهُ حُنَيْنٌ إلَى الطَّيَرَانِ وَتَأَسُّفٌ عَلَى التَّخَلِّي فِي الْفَضَاءِ".اهـ

وقال الإمام ابن مُفْلِحٍ رحمه الله:"فَأَمَّا حَبْسُ الْمُتَرَنِّمَاتِ مِنْ الْأَطْيَارِ كَالْقَمَارِيِّ وَالْبَلاَبِلِ لِتَرَنُّمِهَا فِي الأَقْفَاصِ فَقَدْ كَرِهَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَاجَاتِ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ مِنْ الْبَطَرِ وَالأَشَرِ وَرَقِيقِ الْعَيْشِ، وَحَبْسُهَا تَعْذِيبٌ".اهـ [الآداب الشرعية الكبرى 4/ 20]

وإن أردت مزيد بيان وإسهاب فراجع رسالة شيخنا العلامة ابن حميد بعنوان:"شكوى الطيور المحبوسة, في الأقفاص المنحوسة"فقد أفاد وأجاد فك الله أسره. والله الموفق.

أجابه، عضو اللجنة الشرعية:

الشيخ أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت